منذ أن تم الإعلان عن الاتفاق بين الدول العظمى وإيران حول مشروعها النووي، وهناك سؤالان يترددان بقوّة في الأوساط العربيّة: ماذا يعني هذا الاتفاق للعرب؟ وكيف يمكن للدول العربيّة أن تتعامل معه؟هناك من حاول رفع الاتفاق النووي إلى مستوى...

العرب والاتفاق النووي: ما العمل؟

سلطان العامر |

منذ أن تم الإعلان عن الاتفاق بين الدول العظمى وإيران حول مشروعها النووي، وهناك سؤالان يترددان بقوّة في الأوساط العربيّة: ماذا يعني هذا الاتفاق للعرب؟ وكيف يمكن للدول العربيّة أن تتعامل معه؟

هناك من حاول رفع الاتفاق النووي إلى مستوى مؤامرة كونيّة كبرى بين أميركا وإيران، أو تصوير الاتفاق باعتباره من أشكال نهاية العالم. هذه المبالغات لا تفعل أكثر من تشويش الرؤية، كما أن مثل هذه المبالغات في حال انتشارها لا تنتج إلا سياسات فاشلة ومضرّة. لهذا يجب التأكيد على نقطتين: الأولى وتتمثل في أن الاتفاق محصور فقط في برنامج إيران النووي، ولا يمس غيرها من الملفات كشكل نظام الحكم الإيراني، أو سياسات إيران في المنطقة. وهذه النقطة مهمة؛ لأنها تقطع الطريق أمام أي محاولة لتحميل الاتفاق أبعاداً مؤامراتية لا تحتمل.

أما النقطة الثانية فتتعلق بمضمون الاتفاق نفسه، وبشكل مختصر يمكن القول إن المقايضة الرئيسة في قلب الاتفاق هو تنازل إيران عن جزء من سيادتها (عبر السماح للمنظمات الدولية بالإشراف على برنامجها النووي ومراقبته) في مقابل إسقاط العقوبات الاقتصادية عنها. هذا التنازل الجزئي عن السيادة يمنع وصف الاتفاق بأنه نصر إيراني، لكن اقتصار التنازل على البرنامج (أي عدم شموله شكل النظام الحاكم وسياساته الإقليمية) في مقابل رفع العقوبات الاقتصادية يعتبر مكسباً كبيراً لإيران.

الآن، ماذا يعني هذا الاتفاق للدول العربيّة؟ وكيف تتعامل معه؟

أولاً: إن أول ما يعنيه هذا الاتفاق هو تقديم نموذج جديد للتعامل مع الهيمنة الغربيّة في المنطقة يختلف بشكل كبير عن نهج كامب-ديفيد الذي رسخّه أنور السادات في المنطقة العربيّة. فبعد محاولة عبدالناصر الاستقلال بالوطن العربي عن الهيمنة الغربية والتي لم تكن موفقة، حاول أنور السادات التحوّل بمصر نحو الانفتاح على الغرب، فكان طريقه نحو ذلك هو بالسلام مع إسرائيل وإخضاع السياسات الخارجية المصرية لحماية المصالح الغربيّة في المنطقة.

هذا النوع من النهج هو الذي حاول بقيّة العرب السير فيه باعتباره الطريقة الوحيدة للتعامل مع الهيمنة الغربيّة، وهو النهج الذي أثبتت الاتفاقية مدى بؤسه وزيف وحدانيته. فهاهي إيران استطاعت أن تصل إلى نوع من التسوية مع الهيمنة الغربية من دون أن يكون المقابل الاعتراف بالكيان الصهيوني ولا التنازل عن سياساتها وطموحها الإقليمي في المنطقة.

فإن كان هناك من العرب من يعتبر تحدي الهيمنة الغربية في المنطقة ضرباً من الجنون، فإن الاتفاق النووي يبين أنه بالإمكان التعايش مع هذه الهيمنة من دون التنازل عن كل شيء.

ثانياً: مثلما أن الإيرانيين عقدوا الاتفاق مع الغرب رغماً عن الإسرائيليين، فإن الغربيين لم يراعوا مصالح حلفائهم العرب خلال عملية التفاوض. وهذه النقطة يجب أن يكون انعكاسها ليس على السياسات قصيرة المدى للدول العربية، بل على الرؤية الاستراتيجية حول صيغة التحالف مع الغرب. فالصيغة القديمة للتحالف باعتباره حماية ووصاية يجب أن يتم تجاوزها إلى رؤيّة أخرى تستعيد فيها الدول العربيّة قدرتها على الاستقلال في النشاط والحركة، عبر تبني مشروع عربي اتحادي.

ثالثاً: تتأكد أهمية الحاجة إلى مثل هذا المشروع العربي إذا تذكرنا أن الاتفاق لا يمس سياسات إيران في المنطقة، بل إنه قد يقويها بعد رفع العقوبات عنها، وهو بالتالي يجعل من مهمة مواجهة هذه السياسات (وقبلها الاحتلال الصهيوني) ضمن المسؤولية العربية، والتي إن لم تتحملها، فإن الحروب الأهلية، والطائفية، وتعاظم القبضة الأمنية، وتزايد نشاط الميليشيات، والخضوع للقوى الإقليمية والأجنبية ستكون هي الوجبات اليومية التي ستفتك بالشعوب والمجتمعات العربية.

إن التحرر من العلاقة مع الغرب بوصفه حامياً والسعي نحو مواجهة السياسات الإقليمية التي لا تراعي مصالح الشعوب العربية يعني أولاً وقبل كل شيء تبني مثل هذا المشروع الرؤية العربية المستقلة. وهذا المشروع وهذه الرؤية لا يمكن أن يحظيا بشرعية من دون أن تكون قضية فلسطين قلبها النابض، وأن تكون عناوينها الأساسية حرية الشعوب العربية وتحررها ووحدتها.

في مثل هذه الظروف التي تمر بها الأمة العربية، لا يمكن اعتبار مثل هذه المشروع كلاماً مثالياً أو نوعاً من الرفاهية، فالاتفاق نفسه يجعل منه ضرورة من جهة، وممكناً من جهة أخرى. فهو ضرورة لأنه الخيار الوحيد للدول العربيّة أن تستجمع مواردها وقواها وأن ترعى مصالحها ووجودها الذي يهددها كل من الكيان الصهيوني والسياسات الإيرانية والطائفية. وهو كذلك ممكن؛ لأن الإيرانيين فعلوها، فهاهم استطاعوا أن يصلوا إلى نوع من التسوية التي لا تخضعهم للتحول للعب أدوار وظيفية لمصلحة هذه الهيمنة الغربية.

إن الاتفاق الإيراني النووي ليس نهاية العالم، وأياً تكن درجة تهديده على العرب فهو يحمل في طياته أيضاً دروساً مهمة وفرصاً أعظم للعرب أن يتحولوا من منطق «النظام» الذي يبحث عن بقائه حتى لو كان على حساب الشعب والدولة، إلى منطق الدول التي تفكر بقضايا ومصالح الأمة التي تمثلها وتسعى لاستقلالها وحريتها ورفاهيتها.


الأكثر قراءة في تلفزيون
المزيد من تلفزيون