اضطر الشاعر السوري الصديق نوري الجراح لتوضيح غرضه من إصدار ديوانه، «يوم قابيل»، عن دار نشر في حيفا، تحسّباً من تهمة «التطبيع»، معتبراً أن صدوره «من مدينة فلسطينية تقاتل لأجل هويتها، هو تحية للمقاومة ضد الاستعمار، وفعل مقاومة ضد...

مقاومة التطبيع أو معنى إسرائيل كدولة عنصرية

مقاومة التطبيع أو معنى إسرائيل كدولة عنصرية
ماجد_كيالي |

اضطر الشاعر السوري الصديق نوري الجراح لتوضيح غرضه من إصدار ديوانه، «يوم قابيل»، عن دار نشر في حيفا، تحسّباً من تهمة «التطبيع»، معتبراً أن صدوره «من مدينة فلسطينية تقاتل لأجل هويتها، هو تحية للمقاومة ضد الاستعمار، وفعل مقاومة ضد الاستبداد». وهذا بمثابة رد ثقافي، وسياسي وأخلاقي، على الذين ينكرون أن إسرائيل استمرت وتطورت بسبب وجودها في محيط عربي تحكمه أنظمة استبدادية، تحديداً، لا تحترم مواطنيها وتحرمهم حقوقهم وحريتهم.

ولعل هذا مثل بسيط على الاستسهال والسذاجة والروح الاتهامية في التعاطي مع قضايا الصراع المعقّد ضد إسرائيل، إذ تحت شعار مقاومة «التطبيع» قوطع فلسطينيو 48، لأمد طويل، كأنهم مذنبون، ومتهمون ببقائهم في أرضهم، ما قدّم خدمة مجانية لإسرائيل. وبهذه الحجّة، أيضاً، تم «تحريم» العلاقة مع إسرائيليين واتجاهات إسرائيلية مؤيدة لحقوق الفلسطينيين، وصُرِف النظر عن الاشتغال على المجتمع الإسرائيلي، لتنمية هذه الاتجاهات، واستثمار التناقضات فيه، بين المتدينين والعلمانيين والشرقيين والغربيين، والمتطرفين والمعتدلين، والأغنياء والفقراء. والواقع أن الحركة الوطنية الفلسطينية، في ذلك، تخلّت عن ساحة مهمة، علماً أنها منذ بدايتها كانت طرحت فكرة الدولة الديموقراطية الواحدة، وقدمت نفسها حركة تحرير لليهود من الصهيونية، كما سجّلت «فتح» في بعض أدبياتها أواخر الستينات، الأمر الذي نكصت عنه منذ أواسط السبعينات، لمصلحة خيار الدولة في الضفة والقطاع.

طبعاً ثمة حوادث كثيرة من هذا النوع تنمّ عن تخبّط وضعف بصيرة. مثلاً، منع عزمي بشارة مرة من دخول لبنان، للمشاركة في ندوة «العرب والعولمة» (نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، بسبب ضجة افتعلها بعض من اعتبروا ذلك تطبيعاً، فيما هؤلاء كانوا هم «المطبعين» حقاً، لأنهم غلّبوا هوية بشارة «الإسرائيلية» على هويته الفلسطينية والعربية، ناهيك عن أن مواقفه لم تشفع له عندهم. أيضاً، تعرض محمود درويش لحملة من الطراز ذاته، لإحيائه ندوة شعرية في حيفا، باعتبار ذلك تطبيعاً، عوض اعتباره تحدياً لإسرائيل التي خشيت إدراج شعره في مناهجها الدراسية، إبان تولي حزب «ميريتس» وزارة التعليم. ووصل الأمر بأحد قادة الفصائل حد محاربة «حق العودة» للاجئين كونه عودة إلى إسرائيل، باعتبار ذلك تطبيعاً و «خيانة» (والعياذ بالله)! ثم ما العمل في شأن عمل الفلسطينيين في إسرائيل؟ هل المطلوب من العمال الهجرة مثلاً؟ وماذا عن التعامل بـ «الشيكل»، وشراء السلع الأساسية والطبية، في الأراضي المحتلة، فهل هذا تطبيع؟ ما القول في شأن علاج حفيدة إسماعيل هنية في إسرائيل (2013)، فهل هذا يعني أن «حماس» أو هنية، مع التطبيع؟

يجدر التذكير بأن الحركة الوطنية الفلسطينية في الستينات والسبعينات حرصت على دخول كل المحافل والمنظمات الدولية، مفاخرة بمساجلتها مندوبي إسرائيل، ودحض وجهات نظرهم، بحيث اضطرتهم إلى مغادرة هذه المحافل أو المنظمات. وعليه يجدر توضيح بعض المسائل، كعدم الخلط، بين حملة «المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات» ضد إسرائيل وما يسمى مقاومة التطبيع. فالحملة التي تلقى نجاحاً مضطرداً في أوروبا والولايات المتحدة وكندا، على صعيد المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية لإسرائيل، تأتي في إطار المقاومة الشعبية والسلمية، وتتأسس على تحكيم معايير حقوق الإنسان والقانون الدولي. وبحسب عمر البرغوتي، منسق الحملة، تدعو هذه الحركة إلى «قطع العلاقات... مع إسرائيل، كونها دولة احتلال وأبارتهايد»، وتعمل لـ «إنهاء احتلال كل الأراضي العربية التي احتلت في 1967، بما في ذلك إزالة المستعمرات والجدار، وإنهاء نظام التمييز العنصري القائم في أراضي 1948 ضد الجزء من شعبنا الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية، وعودة اللاجئين إلى ديارهم الأصلية التي شردوا منها». فـ «المقصود بالمقاطعة هو الدولة الإسرائيلية وكل مؤسساتها الأكاديمية والثقافية وكل الفعاليات والمهرجانات والمؤتمرات التي تنظم من قبلها أو بالتعاون معها».

هكذا، ينبغي التمييز بين حملة المقاطعة ودعوة مقاومة التطبيع، لأنهما شيئان مختلفان، لا سيما أن الثانية تبدو جزءاً من «العدّة» المفهومية لجماعة «المقاومة» و «الممانعة»، أي أنها مطلوبة للادعاء والابتزاز والاستهلاك، لأن التطبيع عملياً من اختصاص الدول، دولة مقابل دولة، وليس في مقدور أفراد.

الآن، إذا كانت إسرائيل تطلب التطبيع مع الدول العربية، لإقامة علاقات ديبلوماسية واقتصادية وأمنية معها، وترويج روايتها الخاصة، فهذا لا يعني أنها معنيّة بتطبيع علاقات الإسرائيليين مع الفلسطينيين، بالتالي مع السوريين والمصريين والأردنيين واللبنانيين. ويمكن استنتاج ذلك من إصرارها على الاعتراف بفرادتها كدولة يهودية، واعتبارها ذاتها امتداداً للغرب في الشرق الأوسط، لا دولة شرق أوسطية. ثانياً، إن إسرائيل التي تبني الجدار، وتحث الخطى للانفصال عن الفلسطينيين، وإقامة طرق خاصة لهم، وتميز في قوانينها ضد مواطنيها من فلسطينيي 48، تبدو حريصة على إبقاء مجتمعها في إطار «غيتو» مع أسوار. ثالثاً، تركز العقيدة الأمنية لإسرائيل، على الترويج للخطر الوجودي المتأتي من الخارج، ما لا يستقيم مع السلام مع هذا الخارج.

المفارقة أن ثمة تناقضاً في اعتبار إسرائيل دولة عنصرية، أي أميل إلى الانغلاق وعدم الاعتراف بالآخر، مع اعتبار أنها تسعى إلى التطبيع، ما يفيد بأنها تميل إلى الانفتاح، وقبول الآخر، والتحول دولة عادية. ثمة مفارقة ثانية، هنا، إذ يفترض أن إسرائيل هي التي تخشى التطبيع والذوبان وفقدان خاصيتها، لأنها هي الأقلية، لا الفلسطينيين، أو العرب الذين لديهم لغة وتاريخ وحضارة، ضاربة في التاريخ.

حقاً، ثمة شيء غير مفهوم في هذه «المعركة» التي يجري فيها التخلي عن استثمار التناقضات الإسرائيلية، والصراع على وعي الإسرائيليين، لتحريرهم من الصهيونية، والتي يتم فيها، أيضاً، تناسي أن خيار الدولة الواحدة الديموقراطية، إنما يتأسّس مع إسرائيليين يهود، على الحقيقة والعدالة، وعلى أساس مواطنين أفراد، أحرار ومتساوين.

عموماً، المشكلة ليست في كون إسرائيل دولة استعمارية وعنصرية فقط، وإنما لأنها، فوق هذا وذاك، دولة دينية، ونتاج فكرة ظالمة وغير شرعية. إذ لا شيء يبرر لمجموعة من البشر اغتصاب أراضي الآخرين وطردهم منها، لا وعد «رباني» مزعوم، ولا المحرقة، ولا أي سبب أو ادعاء آخر. ولا يوجد حق ولا شرعية ولا قوة أخلاقية تحمل الفلسطينيين على دفع ثمن ارتكابات لا علاقة لهم بها، أو تبنّي رواية عدوّهم.


الأكثر قراءة في
المزيد من