< بعد ثورة العشرين في العراق، تم تأسيس نواة لجيش عراقي وطني سنة 1921، بمسمى «فوج الإمام موسى الكاظم» في بغداد. هذا الجيش دخل في تجاذبات القصر في العراق (الملك فيصل الأول) والطبقة السياسية المحيطة به، مع سلطات الاستعمار البريطاني، وهو ما...

بناء الجيش العراقي.. هل يعيد التاريخ نفسه؟

بدر الراشد |

< بعد ثورة العشرين في العراق، تم تأسيس نواة لجيش عراقي وطني سنة 1921، بمسمى «فوج الإمام موسى الكاظم» في بغداد. هذا الجيش دخل في تجاذبات القصر في العراق (الملك فيصل الأول) والطبقة السياسية المحيطة به، مع سلطات الاستعمار البريطاني، وهو ما جعله يتأرجح ضعفاً وقوة، بحسب الرغبات السياسية وتناقضاتها.

كانت هناك عوامل عدة لعبت دوراً أساسياً في بناء الجيش العراقي آنذاك. فمن ناحية كان القوميون العرب -العراقيون والسوريون- المحيطون بالملك فيصل الأول، يضغطون باتجاه تقوية الجيش العراقي؛ من أجل طرد الاستعمار البريطاني وتحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية العراقية. وكانت هذه رغبة فيصل الأول المترددة، والتي تقابلها من الضفة الأخرى، نصائح الإنكليز للملك بعدم بناء جيش عراقي قوي يتدخل في السياسة لاحقاً وقد ينقلب على القصر. وهذا ما حدث مراراً في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، حتى جاءت النهاية الدموية على يد عبدالكريم قاسم في ما يُعرف بمجزرة قصر الرحاب سنة 1958.

من ناحيتهم، كان البريطانيون يعيشون التناقض ذاته، فبعد ثورة العشرين كانت هناك رغبة إنكليزية بالانسحاب من الحياة السياسية العلنية، وإنهاء الاحتكاك المباشر بين المواطنين العرب، وبين الجنود والضباط الإنكليز، والاكتفاء بالتواصل مع القصر لإدارة الشؤون السياسية، وبقاء الإنكليز في قواعد عسكرية خارج المدن العراقية، بعيداً عن أعين السكان والاحتكاك اليومي بهم. ولتحقيق هذه الرغبة كان الإنكليز بحاجة إلى بناء جيش عراقي قوي؛ ليحفظ الأمن في المدن، ويخمد أي ثورة عشائرية في المنطقة. لكن هذا يناقض رغبتهم في إبقاء العراق في دائرة نفوذ التاج البريطاني.

في خضم هذه التناقضات، تمت تقوية الجيش العراقي بشكل حذر، حتى الْتهم الدولة بعد انقلاب 1958. حتى إن العقيد الإنكليزي جرالد دي غوري في مذكراته «ثلاثة ملوك في بغداد» أشار إلى هذه المسألة بصورة ساخرة، باعتبار أن الجيش الذي كان فيصل الأول يرغب في تقويته لفرض سيادة واستقلال العراق، للتخلص من الهيمنة البريطانية، هو الذي أطاح بملك الهواشم بانقلاب 1958على فيصل الحفيد (فيصل الثاني).

لا يبدو أن العراق تجاوز هذه المعضلة اليوم. حل الحاكم الأميركي بول بريمر الجيش العراقي بعد احتلال بغداد سنة 2003. وكل ما جاء بعد تلك اللحظة قائم على تخبطات ومخاوف مشابهة لمخاوف البريطانيين في عشرينات القرن الماضي.

بعد أن أصدر بول بريمر قراره الأول باجتثاث البعث من المؤسسات المدنية والعسكرية للدولة، ثم ألحقه بقرار حل الجيش العراقي، بدت الخطوة وكأنها قفزة هائلة في المجهول.

فبريمر كان يعتقد بأن الجيش العراقي هو رمز سلطة وسطوة نظام صدام حسين وحزب البعث، وبأنه المؤسسة التي ستقوِّض بناء دولة مدنية ديموقراطية في العراق، وفي الوقت نفسه ستقاوم الاحتلال الأميركي، لذا حل الجيشَ بقرار أرعن، تدفع المنطقة تبعاته حتى اللحظة.

معرفة الأميركان بكارثية قرارهم كانت مبكرة، فبعد حل الجيش العراقي لم تتوقف المقاومة العراقية للاحتلال، بل على العكس، زادت شريحة المتذمرين من الاحتلال الأميركي، وهو ما عزز موقف المقاومة عسكرياً وشعبياً. وعندما قرر الأميركان الخروج خارج المدن العراقية، لم يكن هناك جيش عراقي قوي يمكن الوثوق به لفرض الأمن. وعندما أراد الأميركان تشكيل نواة لجيش وطني عراقي، قاموا باندماج ميلشيات طائفية كفيلق بدر، وميليشيات طائفية أخرى، كانت معاونة للأميركان في احتلال العراق. فكانت كل الحلول التي حاولوا تقديمها لفرض الأمن في العراق كارثية، وتؤسس لصراع طائفي اجتماعي طويل المدى. ثم جاء الحديث عن تشكيل وحدات حرس وطني سنية، ليكون الحل الأسوأ للمشكلة السيئة.

هناك صعوبات تتعلق بتحديد عقيدة دفاعية تؤسس لجيش مستقل وقوي في العراق في ظل انقسامات سياسية طائفية عميقة. فما جوهر العقيدة الدفاعية المفترضة للجيش العراقي الوطني؟ فرض سيادة العراق واستقلاله وحماية حدوده؟ ماذا على التدخلات الإيرانية والأميركية والتركية؟ ماذا عن انقسام العراقيين أنفسهم؟ هل ستكون عقيدة الجيش العراقي محاربة التطرف والتنظيمات الإرهابية ممثلة بداعش باعتبارها ميليشيات خارج سلطة الدولة؟ إذا كيف سيكون موقف الجيش من الميليشيات الأخرى التي تعمل خارج الدولة، كفيلق بدر والذي يتولى ممثلوه وزارات في الحكومة العراقية، فضلاً عن الميليشيات الأخرى كجيش المهدي، والذي يمثل في البرلمان العراقي بنواب منتخبين؟!

في حال بناء جيش عراقي قوي، فإنه سيكسب مشروعية سياسية في ظل الفساد السياسي والفشل في تلبية حاجات المواطنين العراقيين اليومية، فقد يتم مستقبلاً النظر للجيش كمخلص من أزمات النظام السياسي الذي تديره أحزاب دينية شيعية تقود العراق من فشل إلى آخر. كما أن الدول المهيمنة على العراق اليوم، لن تقبل بتأسيس جيش قوي، يسحب البساط من وجودهم. فبقاء العراق ضعيفاً عسكرياً، ومفككاً سياسياً، ومرتهناً لميليشيات، بعضها له علاقة وثيقة بإيران، وتقاتل بدعم جوي أميركي، أمر جاء لترسيخ ضعف العراق وارتهانه للقوى الخارجية لأطول مدة ممكنة.

هذا الأمر بات داعماً لوجود طبقة سياسية طائفية فاسدة في الحكم، ليس من مصلحتها تغيير هذه المعادلة. فاعتماد حكومة حزب الدعوة على الميليشيات الطائفية لمواجهة «داعش»، هو مربح لهم سياسياً، أكثر من السعي لتكوين جيش عراقي وطني قوي مستقل منذ 2007 يمكن أن يكون نواة لقلب المعادلات الطائفية في العراق، وتهديد هيمنة الأحزاب السياسية الطائفية الشيعية.


الأكثر قراءة في تلفزيون
المزيد من تلفزيون