«لم أحسب يوماً أن الثورة ستؤدي الى مثل هذه الفوضى. وأدركت باكراً أن عليّ الدفاع عن ناسي ورد خطرين عنهم مصدرهما نظام دمشق والمجموعات الجهادية»، يقول الشيخ حميدي دهام الهادي، رئيس قبيلة شمّر السورية، وهو ينفخ دخان سيجارة تحمل علامة ماركة...

شمّر تتمدد على أنقاض حدود العراق وسورية ... وتطرد تنظيم «داعش»

آلان_كافال |

«لم أحسب يوماً أن الثورة ستؤدي الى مثل هذه الفوضى. وأدركت باكراً أن عليّ الدفاع عن ناسي ورد خطرين عنهم مصدرهما نظام دمشق والمجموعات الجهادية»، يقول الشيخ حميدي دهام الهادي، رئيس قبيلة شمّر السورية، وهو ينفخ دخان سيجارة تحمل علامة ماركة كوبية قدمها له واحد من أعوانه. فالنزاع في سورية ساهم في تحول شخصية محلية ومناطقية بارزة الى قائد حربي. في الثورة السورية، انتخب الجهاديون الآتون من العراق المجاور المناطق الحدودية معبراً الى سورية. وفي هذه المناطق تختلط تنظيمات الثوار المحلية. وهناك وسُع الجهاديين نفوذهم الايديولوجي والتأثير في الولاءات القبلية في اوساط مقاتلي هذه المناطق. وصارت اراضي قبيلة شمّر مسرح حرب إثر نزاع الجهاديين والثوار مع الميليشيات الكردية المرابطة الى الشمال للسيطرة على آبار النفط في منطقة الجزيرة. «كانت المعارك تحتدم حول تل علو، وانفجرت قذيفة في فناء القصر (منزل الشيخ حميدي من 3 طوابق في منطقة يغلب عليها بناء من طابق واحد). وعلق الشيخ بين نارين (الكرد والثوار والجهاديين)، يقول عبدالله.

قرر الشيخ حميدي دق ناقوس العودة الى القبيلة حين رأى ان مجموعات الثوار أو المجموعات الجهادية تجند رجالها، في وقت تعتقل «الدولة الاسلامية» أو تردي مقاتلي الثوار في المنطقة. «الحل كان دعوة الشباب كلهم للعودة الى اصولهم، وتشكيل قوة مسلحة توحد شمّر وتحول دون تقاتلهم».

ولم يغفل الشيخ حميدي ان البروباغندا الجهادية تقوض التوازنات القبلية التقليدية، فأبرم تحالفاً مع الكرد. وعلاقات قبيلته معهم قديمة وضاربة الجذور في تاريخ المنطقة ومصالحهم مشتركة. وهذا التقارب ابصر النور في حزيران (يونيو) 2014 إذ عُيّن الشيخ حميدي في منصب نائب رئيس الادارة المحلية الكردية. والصناديد، هي ميليشيا قبلية تأتمر بأمرته، وقوامها 2500 رجل، بحسب احد الضباط الذي قال ان في الإمكان استدعاء الاحتياط (7000 رجل) إذا كان الخطر وشيكاً. واليوم، تشارك هذه القوة الى جانب القوات الكردية في قتال «الدولة الاسلامية» في شمال شرقي سورية.

 

«داعش»

«انا شمّري أولاً وسوري ثانياً»، يقول الذيب، وهو في الخامسة عشرة وصادفته (صاحب التحقيق) على مقربة من تل علو في تدريبات الصناديد العسكرية. يتدرب المقاتلون الشبان على إطلاق النار في مكان غير بعيد من مصفاة يدوية لتكرير النفط. والذيب يحمل شهادة في العلوم السياسية من جامعة دمشق، وهو يرخي شعره الطويل. والشعر الطويل هو علامة الانتماء الى شمّر. ومضى على مشاركته في القتال أربعة اعوام. وهو انضوى في كتيبة ثوار في مطلع الحرب الأهلية، لكنه رفض هيمنة «الدولة الاسلامية» على العرب السنّة في المنطقة. وانضم الى ميليشيا الشيخ حميدي إثر قتل «الدولة...» والده في قريته حين كانت تبحث عنه. «في البدء، صدق كثر منا خطاب «داعش» والمجموعات الاسلامية. وحسبنا اننا نقاتل في سبيل الاسلام ولتحرير الناس من (قيود) حدود الدولة (السورية)»، يقول نواف، أحد مقاتلي الصناديد. وهو انتسب في الماضي الى كتيبة مقربة من «جبهة النصرة» المرتبطة بـ «القاعدة» والمعادية لنظام الأسد. ويضيف: «ادركنا بعد حين ان داعش يصلي تقاليدنا العداء».

«في هذه المنطقة، الناس تطيع صاحب السلطة. وحين كان نفوذ داعش قوياً لحقوا بداعش. واليوم ينحسر النفوذ الداعشي، لذا، يعود الناس الى القبيلة»، يقول الشيخ الشمّري. فالولاءات تحتكم الى موازين القوى وصلتها ضعيفة بالعقائد الايديولوجية. ويملك الشيخ شمّري ثروة يعتد بها، وعلاقاته قوية بدول عربية. وتعاظم نفوذه اثر تحالفه مع المقاتلين الاكراد الذين احرزوا تقدماً على وقع ضربات التحالف الدولي الجوية ضد «الدولة الاسلامية». ويسعى الشيخ حميدي الى رص صفوف القرى والقبائل، وتوحيدها تحت رايته. ويتكئ على اللحمة المحلية القديمة في مواجهة المنظمة الارهابية التي يمسك بمقاليدها غرباء، منهم من يتحدر من القوى الامنية في النظام العراقي السابق.

ولم يعد مصير نظام بشار الاسد شاغل قبيلة شمّر. فالعين لم تعد على دمشق- والمواصلات البرية معها انقطعت- بل على العراق القريب. «كنا هنا قبل رسم الدول الأوروبية حدود المنطقة. وقبيلتنا لا تقيم وزناً لهذه الحدود»، يقول الذيب الذي يحلم بمصير مشترك يجمع شمّر على ضفتي الحدود السورية والعراقية. «النظام الدولي انهار، والدول فشلت، والحدود تبددت. واليوم، نعد للعودة الى القبائل ونفوذها»، يقول الشيخ حميدي. ويسعى الى انشاء قوة تأتلف من المنشقين عن «الدولة الاسلامية» ويتحدرون من الفرع العراقي من قبيلة شمّر في سنجار العراق.

 

قوة إقليمية

على بعد 30 كلم من تل علو، على طريق سكة الحديد القديمة بين بغداد وبرلين، حال بلدة اليعربية الحدودية هي مرآة طموحات شمّر السوريين. كانت هذه البلدة مسرح معركة كبيرة في صيف 2014 بين «الدولة الاسلامية» والشيخ حميدي. وشطر من سكانها ينتسب الى شمّر. ويوالي اليوم الشيخ حميدي والقوات الكردية السورية. وتسيطر الصناديد على المنطقة الحرة القديمة. وينزل شمّريون السوريون والعراقيون على أوامر مسؤول شمري واحد. فالحدود بين سورية والعراق كانت خطأ تاريخياً، وفق قولهم. ولم تعد أي دولة ممثلة في هذه المنطقة الحدودية منذ حزيران (يونيو) 2014.

 

 

* عن «لوموند» الفرنسية، 3/11/2015،

إعداد م. ن.


الأكثر قراءة في معلوماتية واتصالات
المزيد من معلوماتية واتصالات