داخل كل تيار فكري كبير خطان عريضان من التفكير، قد يتداخلان، وقد يتصارعان، لكنهما من ناحية المبدأ متمايزان بالضرورة. تقوم فكرة الأول على توظيف قيم وقضايا واتجاهات هذا التيار من أجل تبرير المشاريع القائمة باسمه، في حين أن الثاني يقوم...

بين التبرير والتحرر

سلطان العامر |

داخل كل تيار فكري كبير خطان عريضان من التفكير، قد يتداخلان، وقد يتصارعان، لكنهما من ناحية المبدأ متمايزان بالضرورة. تقوم فكرة الأول على توظيف قيم وقضايا واتجاهات هذا التيار من أجل تبرير المشاريع القائمة باسمه، في حين أن الثاني يقوم بتمثل هذه القيم والقضايا والسعي للتحرر من الحيلولة دون وقوعها. وعلى رغم أن هذا الكلام ينطبق على التيارات كافة من إسلامية وليبرالية وقومية، إلا أني سأحصر حديثي هنا على التيار القومي.

فعندما وصلت الأحزاب القومية إلى سدة الحكم، حولت القوميةَ إلى آيديولوجيا تبريرية لشرعية النظام الحكام. وعند هذه اللحظة تنقلب الأمور، فتصبح القضايا الرئيسة (مثل قضية فلسطين) من قضية محورية يُعمَل من أجل حلها، إلى قضية تُستغل باستمرار لتبرير الأعمال القمعية كافة باسم الاستعداد للمعركة. كما يتم الخلط بسهولة داخل هذا الخط من التفكير بين الأمة والنظام، فيصبح بقاء النظام من مصلحة الأمة، وأن الاعتداء عليه هو اعتداء على الأمة، ومن هذا الباب يصبح كل خارج على النظام خائناً للأمة. وتصبح المقاومة والممانعة محض شاعر، باسمه لا تراق إلا دماء أبناء الأمة، في حين أن العدو، الذي يفترض أن المقاومة موجهة ضده، لا يُمَس، بل حراسة الحدود معه. داخل هذا الخط من التفكير يكون الهدف تبرير الوضع القائم من دول وأحزاب.

هذا في ما يخص التبرير، أما التحرر فهذا خط آخر في التفكير. هو لا يعادي المنظمات والدول القائمة على أساس الخطاب نفسه، ولكنه نقدي اتجاهها: يحاسبها باستمرار بإخضاعها على القيم والمبادئ ذاتها التي تتبناها المؤسسة القائمة. فعند قضية فلسطين تصبح خدمة القضية معياراً للحكم على الدولة أو الحزب، عوضاً عن أن تكون مجرد يافطة تخدم بقاء النظام القائم. فعندما يكف النظام عن خدمة المبادئ والأسس التي قام عليها، يصبح عائقاً أمامها، ومن ثم يجب نقده وفضحه باستمرار، ولاسيما أنه يستخدم مبررات تنتمي إلى التيار نفسه.

إلى جانب هذا الاختلاف في المحتوى بين هذين الخطين الفكريين، نجد أيضاً أنهما غالباً يمران عبر دورة حياة متشابهة. فالخط التبريري، لأنه يبرر لمؤسسات وأحزاب ودول، فإنه يتوافر على مصادر مادية وقنوات تعبير أضخم وأكبر. يصبح المثقفون المنتسبون إلى هذا الخط هم المتصدرين للدفاع عن التيار و«تمثيله». ويصبح التنافس بينهم لتحقيق مكانة عالية، تنافساً على إرضاء نخبة الحزب أو نخبة النظام. إنها قصة حياة تحول المثقف إلى «شبيح»- كما يقال بالدارجة السورية.

في الجهة المقابلة، الخط التحرري، لأنه يحاكم هذه المؤسسات والدول وينتقدها، فهو مقصي ومهمش وضعيف، وانتشاره غالباً محدود ضمن نطاق ضيق. غالباً ما يُتهم المثقفون فيه بأنهم خونة، أو تحريفيون- كما وُصِف الشيوعيون الذين ينقدون الاتحاد السوفياتي، أو حلفاء للعدو إن لم يكن عملاءه. فعلى سبيل المثال، يصبح ستالين- إذا أردنا الاستشهاد بالشيوعية- بطلاً، في حين يُطرَد تروتسكي ويُهمَش ويُحذَف اسمه من مقررات كتب التاريخ وأخيراً اغتياله. وكذلك نجد أن الفنان التشكيلي ناجي العلي يتعرض لعملية اغتيال، لأنه برسوماته الكاريكاتورية حاول محاكمة النظام القائم على ضوء القيم والمبادئ التي ينطلق منها.

والحوار داخل هذا التيار ليس بالضرورة محصوراً بين التبريريين والتحرريين، بل هو أكثر تعقيداً من ذلك. فقد يكون حواراً بين التبريريين أنفسهم، ذلك أنهم قد يتوزعون بحسب الدول والمؤسسات التي يدافعون عنها: فمبررو حزب البعث في سورية يختلفون عن مبرري الحزب في العراق، كما أن الاثنين يختلفان عن مبرري الحركات والأحزاب القومية في مناطق أخرى، إلا أنه من الضروري أن نميز بين هذا المستوى من الخلاف على مصالح الحركات والأحزاب والتحالفات التي يبررون لها، وبين الخلاف على القيم والمبادئ الرئيسة للتيار. من جهة أخرى يمكن أن نلاحظ أن هناك خلافاً لدى التحرريين، لكنه هذه المرة نابع من خلاف في تطبيقاتهم لمعاني القيم والمبادئ التي يتبنونها: ماذا يعني تحرير فلسطين؟ هل هذه السياسة أو تلك تؤدي إلى ذلك؟ كيف نقاوم التطبيع؟ هذه الأسئلة لا تملك أجوبة واحدة، والنقاش بين الآراء المختلفة هنا يكون مدفوعاً نحو تحقيق أكبر قدر ممكن من الانسجام مع تلك المبادئ.

إن الديموقراطية، بوصفها آلية أكثر جدوى في توفير شرعية للنخبة الحاكمة، قد تعمل بديلاً عن توظيف هذه التيارات؛ لتبرير ممارسات النظام، كما أنها قد تجعل تصدر الفضاءات العامة التي تتيحها ميداناً مناسباً للحوار بين أتباع التيار التحرري، كما أنها قد لا تكون بيئة مرحبة للتبريريين ومُحجمة لهم بشكل كبير. وهي بمنعها لتحويل أفكار ومبادئ التيار إلى مبررات لبقائه، تجعل المجال متاحاً لمثقفي التحرر من التقدم والضغط على الدولة من أجل تحقيق رؤاهم وأهدافهم. لهذا يكون خدمة قضية مثل فلسطين في نظام ديموقراطي أقرب بكثير من خدمتها في نظام سلطوي.

إن هذا التمييز بين هذين الخطين الفكريين داخل التيار الواحد يجعل من الواجب على متبني هذا التيار من أن يكون نقدياً أكثر اتجاه من يشاركونه فيه، حتى لا يقع فريسة التبرير لهذه المؤسسة أو تلك الدولة من المتبنين لهذا التيار. كما أن هذا التمييز يفسح المجال للتمييز بدقة أثناء نقد هذا التيار وتحديد الآراء بأي من هذين الخطين الفكريين.


الأكثر قراءة في تلفزيون
المزيد من تلفزيون