يسألني كثر لماذا اخترت أن أدرس الكونفوشيوسية. أحياناً، يكون جوابي طويلاً، أعرض فيه مراحل دراستي ابتداءً من الجامعة الأميركية في بيروت وصولاً إلى جامعة برنستون في الولايات المتّحدة، والصفوف التي أخذتها والأمور التي اكتشفتها عن تاريخ...

لماذا طلبت العلم عن الصين

لبنى_الأمين |

يسألني كثر لماذا اخترت أن أدرس الكونفوشيوسية. أحياناً، يكون جوابي طويلاً، أعرض فيه مراحل دراستي ابتداءً من الجامعة الأميركية في بيروت وصولاً إلى جامعة برنستون في الولايات المتّحدة، والصفوف التي أخذتها والأمور التي اكتشفتها عن تاريخ الصين وأوصلتني، من غير سابق تصميم، إلى كتابة أطروحتي الجامعية عن مفهوم السياسة في الفكر الكونفوشيوسي القديم. وأحياناً، يكون الجواب قصيراً جدّاً، يختصر بأنّه «صدفة» أو «لمَ لا؟».

لكنّ الأجوبة المختلفة هذه كلّها ناقصة، لا تفسّر الخيار تماماً. فمن جهة، لم يكن فعلاً خيار دراسة الصين والفكر الكونفوشيوسي خياراً اتخذته في صورة مباشرة، وذلك بسبب واقع بسيط هو أنّه لم يكن من أحد يدرس الصين وفكرها في لبنان أو العالم العربي وقتها، أي أنّ الصين لم تكن جزءاً من العالم الفكري الذي نشأت فيه.

لكنّ دراستي الصين كانت، من جهة أخرى، نتيجة قرار آخر اتخذته في صورة واضحة، ألا وهو قرار عدم دراسة الشرق الأوسط أو العالم العربي.

قرّرت ألاّ أدرس الشرق الأوسط أو العالم العربي، لأنّني شعرت بأنّ هذا ما كان متوقّعاً منّي، كطالبة لبنانية. وفعلاً، فإنّ الدهشة التي يعبّر عنها العديد اليوم كردّة فعل على دراستي الصين، ما هي إلاّ تأكيد ذلك التوقّع. ولا أعني بهذا التوقع أن يدرس ابن البلد بلده في صورة عامّة، بل أن يدرس الشرقيّون في صورة خاصّة بلاد منشأهم. فلو كنت مثلاً، أميركية أو فرنسية، ما كان خيار دراسة الصين خياراً مفاجئاً. أن يدرس الغربيّون بلاداً غير بلادهم ظاهرة معتادة ولها تاريخ طويل. أمّا الشرقيون، فينتظر منهم دراسة أنفسهم. فلأن لديهم معرفة حميمة بالثقافة التي ينتمون إليها، إضافة طبعاً إلى الميزة التي تشكّلها لغتهم الأم، ولأن هذه المعرفة يفتقر إليها العالم الأكاديمي، يصبح الدور المرسوم لهم تطوير هذا النوع من المعرفة.

وقد تبدو هذه الظاهرة طبيعيّة تنمّ عن النقص في المعرفة عن الشرق وعن قلّة المؤهلين للحصول عليها. لكنّها، وإن كانت أسبابها مفهومة إلى حدّ ما، تفضي إلى تقسيم للعمل الأكاديمي له تداعياته السلبيّة على صورة الباحث الشرقي مقارنة بالباحث الغربي، وبالتالي على فكرة المعرفة عن الشرق بالمقارنة مع المعرفة عن الغرب. فبحسب هذا التقسيم، يدرس الباحث الغربي ما يشاء، بينما الباحث الشرقي يدرس نفسه، فيكون الأوّل إذاً عالماً بالمعنى العريض للكلمة، بينما يكون الأخير أشبه بالمخبر يعتمد على تجربته وليس على قدرته على تخطّي هذه التجربة. وتغدو بذلك المعرفة المتعلّقة ببلد شرقي كلبنان، بمثابة معرفة حالة متخصّصة غير قابلة للتعميم في حدّ ذاتها، بينما لطالما استخدمت المعرفة عن الغرب (مثلاً حالة فرنسا التي درسها بيار بورديو أو حالة إيطاليا التي درسها أنطونيو غرامشي) كأساس للتعميم بصفتها ناتجة من تفكير عالم، إذاً هي علم.

أردت إذاً، برفضي دراسة العالم العربي، رفض لعبة تقسيم العمل هذه ورفض النظرة الدونيّة التي ترافق صورة الباحث الشرقي. لكنّني أجد هذه النظرة تلاحقني، حتى على رغم اختيار موضوع أبعد ما يكون عن العالم العربي. فيصرّ البعض على أنّ دراستي الصين ضرب من الجنون. أمّا البعض الآخر، فيصفها بأنّها النظرة «الإسلامية» إلى الفكر الكونفوشيوسي. والتشخيصان وجهان لافتراض واحد: إنّ تفكيري محكوم لا محالة بالثقافة التي أنتمي إليها.

لم نكن لنصف هذا البحث بالمجنون أو بالنظرة «المسيحية» عن الكونفوشيوسية لو كان الباحث غربياً، فلماذا إذاً يصحّ هذا الافتراض في حالتي؟ إنّني اخترت البحث عن عالم مختلف على رغم تعلّقي الكبير بالثقافة التي أنتمي إليها، وفخري بها. لذلك طلبت العلم عن الصين، وكان هذا خياراً حراً ومقصوداً.

 

 

* أكاديميّة لبنانيّة


الأكثر قراءة في شباب
المزيد من شباب