ثمة تجارب على بساطتها تُعيدك طفلاً يلهو في ملاعب براءاته مُسترجعاً بعض ما لا يمكن استرجاعه. ثمة فارقٌ كبير بين الماضوية والحنين، الأولى تأسرك في زنزانتها فلا تعود قادراً على خروج ولا على تقدم، الثاني يشحنك بطاقة نفّاثة لأنه بمثابة سنام...

حبر وملح (رِن رِن يا جَرَس)

زاهي وهبي |

ثمة تجارب على بساطتها تُعيدك طفلاً يلهو في ملاعب براءاته مُسترجعاً بعض ما لا يمكن استرجاعه. ثمة فارقٌ كبير بين الماضوية والحنين، الأولى تأسرك في زنزانتها فلا تعود قادراً على خروج ولا على تقدم، الثاني يشحنك بطاقة نفّاثة لأنه بمثابة سنام جمل في قيظ صحراء، كلما شعرت بظمأ أو جوع تعود إلى ذاك الينبوع الصافي العذب لارتشاف قطرات تسعفك على مواصلة الطريق، ولأن الطفولة هي هذا الخزان الذي يساهم في تشكيل كثير من سِمات وعينا وشخصياتنا فإنها تظل ساحرة فتّانة مهما بلغت صعوباتها وشقاواتها وشقاؤها. الإنسان مفطور على الحنين. مُذ غادر جدّانا جنتهما، وذريتهما مشدودة إلى ذاك الفردوس الموعود الذي يبدو وكأنه أندلس الناس أجمعين.

كائنات كثيرة تولد قادرة على تدبير شؤونها بنفسها، لا تحتاج رعاية فائقة أو عناية أبدية، وإن كانت جميعها تحتاج عطفاً وحناناً بما فيها الوحوش الضارية. وحده الإنسان يظل محتاجاً أمّه وأباه مدى الحياة، كأنه مهما علا وارتفع وحلّق وتقدم في العمر والتجارب يبقى طفلاً في حضرة والديه. الطفولة التي في داخلنا تنفجر وتتدفق فوّارة ما أن تسنح لها فرصة، هكذا ترانا نعود أطفالاً ونحن نلاعب أطفالنا، نختلس من أشداق الحياة لحظات هاربة لنستدعي بعضاً من تلك البراءات المطمورة تحت ركام الأيام، وغبار اللهاث وراء لقمة عيش مضنية في عالم يتغول أكثر كلما "تمدّن" أكثر. ولأن الطفولة تفيض بمنسوب مرتفع من براءة وهشاشة نُفجَع ونأسى وندمع لمرأى طفل يتعذب تاركاً في جوف أرواحنا فجوات لا يمكن ردمها أو الشفاء من جروحها.

أمس دعتنا الكاتبة رانيا زغير إلى مبادرة نبيلة شافية تقتضي منا قراءة قصص كتبتْها للأطفال وتسجيلها بأصوات إعلاميين وفنانين ليضمها "سي دي" بعنوان "رِن رِن يا جرس" مصحوبة بموسيقى الفنان مايك ماسي، يعود ريعها لجمعية "بري? هارت" (قلب شجاع) التي تُعنى بأطفال مصابين بأمراض قلبية وغير قادرين على تأمين مستلزمات العِلاج. أثناء التسجيل عشنا تجربة فريدة يمتزج فيها الفرح بالأسى، إذ لا يمكن أن يغيب عن بالك، وأنت تخاطب صغار السنّ، الأطفال ضحايا الحروب والإرهاب والفتن الممتدة من المحيط إلى الخليج. تسأل نفسك أية قلوب يحملها أولئك القساة الغلاظ صنّاع الحروب والمآسي والكروب؟ بماذا يفكّرون وهم يعانقون أطفالهم؟ كيف يأتيهم نعاسٌ على وسائد مطرَّزة بعيون ضحاياهم؟ تُفكّر بالمقتولين دون استثناء، وبِغدٍ قاتم يُكتَبُ اليوم بأرواح أبرياء وبدماء لا محال سوف تغدو حبال مشانق تلتف حول رقاب السفّاحين. يختلط أساك بفرح غامض يتسلل من ثنايا ذاكرة متخمة ومثقوبة برصاص حروب ومحن. فالمبادرة على بساطتها تبثّ فرحةً في قلوب أطفال يستحقون أوطاناً أفضل حالاً مما سيرثون، وهي إلى بُعدها الإنساني تُضمر تحفيزاً على القراءة بلغة الضاد والإصغاء إلى جماليات العربية الفصحى في زمن تبدو لغتنا الجميلة غريبة بين (وعن) أهلها وكالأيتام على موائد اللئام.

وبالفعل كنا البارحة في حضرة تلامذة صغار من المدرسة المعمدانية (بيروت) استضافتهم الجامعة اللبنانية الأميركية في حفل إطلاق الـ "سي دي"، فعشنا تفاعلهم الجميل مع رانيا زغير وهي، بأسلوبها "الطفولي" وقصصها المختلفة عن سائد الكتابة للأطفال، تدعوهم إلى حدائق الضاد الخضراء المدهشة على الرغم مما يعتري أهلها من يباب ويباس، ومن حبسها في رداء مقدّس حدَّ من حرية حركتها وتطورها وحجبها عن كثير من طزاجة المنطوق والمكتوب.

هل يستحق فعلاً بسيطاً كإطلاق "سي دي" للأطفال كتابةً عنه في غمرة حروب وويلات وفواجع كبرى وتصدّعات مميتة؟ لعل علاقتنا بلُغتنا هي إحدى أبرز مظاهر التخلف والفصام التي أصابتنا، ولنا في مناهج التعليم العربية ما يدلّنا على حجم الكارثة، يكفي أن نشير إلى غياب كليّ لتلك المناهج عن كلّ ما طرأ على أنماط العيش والعلاقات بين البشر بفعل مستجدات تكنولوجية هائلة باتت توفر فرصاً غير مسبوقة للمعلومات وللتواصل بين الناس على امتداد المعمورة، فيما لا تزال مناهجنا، خصوصاً الرسمية، تحثّ أطفالنا على الحفظ الببغائي والاستظهار!

نعم نفرح بكل بارقة معرفة مهما بلغ حجمها. قدرنا البحثُ عن مكامن الأمل ولو كانت مجرد إبرة في كومة قشّ أو دقيق متناثر في غابة شوك.