يثير انتباه المشاهدين ظهور كل هذا العدد من الأطباء «السوبر» في حوارات مع مذيعات سوبر أيضاً في الجمال والرشاقة، ما يشي بتوليفة تتضح أبعادها بعد قليل من التوقف أمام هذه البرامج، وأولها أن مفهوم الخدمة، سواء الخدمة العامة للمشاهد أو تقديم...

طبيب التلفزيون

ماجدة_موريس |

يثير انتباه المشاهدين ظهور كل هذا العدد من الأطباء «السوبر» في حوارات مع مذيعات سوبر أيضاً في الجمال والرشاقة، ما يشي بتوليفة تتضح أبعادها بعد قليل من التوقف أمام هذه البرامج، وأولها أن مفهوم الخدمة، سواء الخدمة العامة للمشاهد أو تقديم نوع من الثقافة الصحية له لم يعد وارداً الآن، في القنوات المصرية الخاصة، بعدما دشن التلفزيون المصري في بداياته مجموعة من القيم والقواعد تبخرت كلها بالتدريج.

وكانت أولى هذه القواعد أن برامج التعليم والصحة والثقافة هي حق أصيل لكل مشاهد، لذلك كان برنامج «المجلة الصحية» لمقدمته الدكتورة لفتية السبع من أهم البرامج لدى مشاهدي التلفزيون خلال ثلاثة عقود منذ بداية الستينات، إلى أن تغيرت الأمور بفعل رياح الخصخصة، وتغيير منظومة القيم والقواعد فاختفى البرنامج الصحي الأهم، كما اختفت البرامج التعليمية وذهبت إلى قنوات أخرى معزولة عن غالبية المشاهدين وأيضاً اختفت كل البرامج الثقافية.

الآن عادت الصحة من خلال التخصص وليس الشمولية، بأن يتم استضافة طبيب واحد مختص بفرع واحد، ويا حبذا لو كان تخصصه هو إذابة الدهون أو علاج العقم أو ابتداع طرق تخسيس جديدة أو تركيبات جذابة للأسنان، وفي اللحظة الأولى التي تقدم فيها الجميلة الرشيقة ضيفها تظهر لوحة خلفية بأرقام تليفونات عيادة السيد الطبيب، فيصبح الهدف من البرنامج واضحاً وهو الدعاية وجذب الزبائن.

القضية تتخذ أبعاداً أهم حين يصل الأمر ببرنامج يومي رئيسي مثل «صباح الخير يا مصر» إلى تخصيص فقرة أسبوعية ثابتة لطبيب من هذا النوع وما يتيحه له هذا من انتشار بينما يحصل التلفزيون بالطبع على المقابل المادي، فالأمر في كل الأحوال هو مفهوم مادي بحت ويقوم على النشاط الإعلاني وليست له علاقة بمفهوم الخدمة أو الثقافة الصحية لمشاهد التلفزيون، لهذا تصبح رسائل المشاهدين لهذه البرامج – عبر الهاتف قليلة وربما نادرة بعدما أدرك الجميع أن الحل الوحيد للحصول على إجابة حقيقية حول أسئلتهم هو نقل أرقام هواتف ضيف الحلقة وعناوين عياداته والذهاب إليه. وربما – من جانب آخر – لو لم توجد هذه البرامج (الصحية) الإعلانية لخلت الشاشات تماماً من أي حديث عن المرض وعلاجه، ولعجز بعض أصحاب المشاكل الطبية عن التوصل إلى أطباء مختصين، ولكن ماذا عن القضايا الصحية التي تهم الغالبية؟ وكيف لا يرى أصحاب هذه القنوات في قضية الصحة جوانب مهمة للمشاهد؟ وهل انقطعت صلة هؤلاء بما تعانيه الغالبية من مشاهديهم فيعيدون بعض التوازن إلى خرائطهم التي تحتفي بكل مثير؟

إن القائمين على وضع سياسات القنوات ليسوا أذكى من مشاهديهم الذين يوشكون على فقدان الثقة في هذه البرامج لإدراكهم الهدف منها وأصعب الأمور على أي جهاز إعلامي أن يتذمر مشاهده، ثم يفقد ثقته فيغضب... ويذهب إلى قناة أخرى لا تحول الطب إلى «بيزنس».