يبدو أن أسعار النفط تتّجه إلى التماسك بعد توافقات دول «أوبك» ثم اتفاق «أوبك» مع البلدان المنتجة من خارجها على خفض الإنتاج. هل يعني ذلك عودة سيناريو الخفض الذي طبق بعد التراجع الكبير في نهاية 2008 إثر الأزمة المالية العالمية، والذي كان...

انتعاش أسعار النفط لا يلغي ضرورة التنويع الاقتصادي

عامر_ذياب_التميمي |

يبدو أن أسعار النفط تتّجه إلى التماسك بعد توافقات دول «أوبك» ثم اتفاق «أوبك» مع البلدان المنتجة من خارجها على خفض الإنتاج. هل يعني ذلك عودة سيناريو الخفض الذي طبق بعد التراجع الكبير في نهاية 2008 إثر الأزمة المالية العالمية، والذي كان مهماً، بما يقدر بـ4.3 مليون برميل يومياً من إنتاج «أوبك» آنذاك؟ أدى قرار عام 2008 إلى تماسك الأسعار وعودة الارتفاع إلى ما يتجاوز مئة دولار للبرميل خلال السنوات الماضية، وقبل الانخفاض المهم في منتصف 2014 حين حاولت بلدان «أوبك» وغيرها أن تواجه أزمة تراجع الأسعار باستمرار الإنتاج بالمستويات المعهودة رغبة في الحفاظ على حصصها في سوق النفط. لكن يبدو أن هذه الاستراتيجية لم تنفع ولم تعالج مشكلة فائض الإمدادات في السوق فيما لم يتحسّن الطلب في شكل ملائم.

وأدى الانخفاض الأخير للأسعار إلى مشاكل أساسية للشركات النفطية في الولايات المتحدة وغيرها العاملة في مجال استخراج النفط الصخري والغاز الصخري وإنتاجهما، فلم تعد الأسعار مناسبة لاقتصاديات الإنتاج التي اعتمدتها، ما أدى إلى مشاكل للجهات الممولة لتلك الأعمال. لكن حتى هذه الشركات يمكن أن تحسن من كفاءة الإنتاج في ظل مستويات أسعار منخفضة نسبياً، مثل 40 - 45 دولاراً للبرميل. لذلك، لم يعد أمام البلدان المنتجة للنفوط التقليدية داخل «أوبك» وخارجها إلا البحث عن سيناريوات عقلانية لمواجهة استمرار الفائض في الإمدادات ومن ثم رفع الأسعار إلى مستويات مقبولة تمكّنها من مواجهة متطلبات الإنفاق الحكومي في بلدانها.

غني عن البيان أن السعودية أدت دوراً محورياً في التوصل إلى هذه التوافقات وهذا الاتفاق، وربما تحملت النسبة الأهم من الخفض الإجمالي. وبعد التوصل إلى اتفاق فيينا في 10 كانون الأول (ديسمبر)، الذي ينص على خفض الدول غير المنضوية تحت لواء «أوبك» إنتاجها بمقدار 558 ألف برميل يومياً، تضاف إلى خفض بلدان «أوبك» المقدر بـ1.2 مليون برميل يومياً أو اثنين في المئة من الإنتاج العالمي، أخذت الأسعار بالتحسن التدريجي. وبلغ سعر برميل «برنت» 54.26 دولار وسعر برميل نفط غرب تكساس 51.20 دولار في 16 كانون الأول، ولا يزال النفطان يراوحان حول هذين السعرين.

لكن، هل يمكن أن تواصل الأسعار الارتفاع هذا العام؟ هذا سؤال مهم، لكن يجب أخذ العديد من العناصر بالاعتبار عند توقع تلك الأسعار. هناك من يتوقع أن تصل الأسعار إلى 70 دولاراً للبرميل في حزيران (يونيو) 2017. لكن يجب الحذر مع توقعات كهذه، فالعودة المحتملة لنشاط الشركات العاملة في استخراج النفط الصخري ستكون واقعية بعد تحسن الأسعار وعودتها إلى مستويات تجعل أعمالها مجدية اقتصادياً. ولا شك في أن السعودية تعير أهمية إلى اتفاق خفض الإنتاج وهي عازمة على إنجاحه.

عانت دول «أوبك» وغيرها من بلدان تعتمد على إنتاج النفط وتصديره من تراجع الإيرادات وحصول عجز في الموازنات الحكومية، ما دفعها إلى التوصل إلى الاتفاق. وأصبحت هذه البلدان رهينة لإيرادات النفط وتفاوتت القدرات على مواجهة متطلبات الإنفاق وبأسعار متباينة، لكن كل هذه البلدان لم تعد قادرة على تحقيق التوازن في موازناتها في ظل الأسعار التي سادت منذ منتصف 2014. يضاف إلى ذلك، أن هذه البلدان لا يمكن أن تزعم أنها قادرة على التأقلم أو التكيف مع أسعار نفط رخيصة أو تعويض تراجع إيرادات النفط بإيرادات سيادية متنوعة وغير نفطية.

أما تعديل هيكل الإنفاق وترشيد المخصصات المتعلقة ببنود الإنفاق فليسا يسيرين وهناك عوامل أساسية واجتماعية تكرست على مدى السنوات والعقود الماضية وأصبحت تحول دون إصلاح السياسات المالية بسلاسة. وبدأت بلدان كثيرة في «أوبك» وخارجها البحث عن بدائل تمويلية وإصدار أدوات دين متنوعة في الأسواق المحلية والدولية. وتستطيع بلدان في «أوبك»، خصوصاً بلدان الخليج، أن تحصل على تمويل من أسواقها المحلية والدولية، فهي لا تزال تتمتع بجدارة ائتمانية وملاءة مالية، وهي تملك صناديق سيادية مهمة تعضدها على مواجهة الواقع الجديد. لكن هذه البدائل لا يمكن التعويل عليها لأمد طويل، وهناك مخاوف من تفاقم حجم الديون السيادية خلال الأمد المتوسط وربما ارتفاع نسبة هذه الديون إلى مستويات غير مناسبة قياساً بالناتج المحلي الإجمالي. وهكذا أصبح التحكم في سوق النفط من أهم الأولويات للإدارات السياسية في هذه البلدان.

يفترض أن تعمل بلدان الخليج لتبني سياسات مالية جديدة تؤكد أهمية ترشيد الإنفاق وضبط الالتزامات والشروع في إعادة هياكل الاقتصادات بما يوكل نشاطات عديدة إلى القطاع الخاص. وأخذت دول المنطقة على عاتقها تنفيذ مشاريع حيوية في البنية التحتية مثل الطرق والموانئ والمطارات ومشاريع النقل العام والكهرباء والمياه، ناهيك عن مشاريع الإسكان. وهناك مخصصات الأمن في ظل أوضاع إقليمية مبهمة. تضاف إلى ذلك، مخصصات الإنفاق الجاري المتعلقة بالتوظيف والدعم المتنوع. كل هذه الالتزامات كان يفترض أن تمول من إيرادات النفط التي كانت مجزية على مدى عقد من الزمن قبل تراجعها.

لا بد من أن مراجعات ستجري للعديد من هذه المشاريع وربما يؤجل عدد منها أو قد تتوصل الحكومات إلى قناعات جديدة تؤكد أهمية الاستفادة من قدرات القطاع الخاص ومن ثم اعتماد صيغ جديدة مثل الشراكة أو التخصيص من أجل إنجاز المشاريع الحيوية. الآن، وبعد الاتفاق على خفض الإنتاج، ربما تتحسن إيرادات النفط بنسبة جيدة، لكن يجب على دول المنطقة ألا تتقاعس عن عمليات الإصلاح المالي والإصلاح الاقتصادي البنيوي والطلاق من فلسفة الاقتصاد الريعي التي عطلت الإمكانات الحقيقية في اقتصادات هذه البلدان. وإذا افترضنا أن أسعار النفط ستتماسك أو ترتفع إلى حد ما، فإن ما يجب أخذه في الاعتبار أن أسواق النفط على المدى الطويل لا بد من أن تتأثر بالمتغيرات المحتملة في قطاع الطاقة، فالبحث والتطوير مستمران وهناك إمكانات لانخفاض الطلب في الأمد الطويل بما يحتم مراجعة سياسات الإنتاج وفي الوقت ذاته ترشيد سياسات الإنفاق.


الأكثر قراءة في أفكار
المزيد من أفكار