تشترك «إيران علي خامنئي» و «سورية بشار الأسد» (التسمية التي يطلقها أحدهما على بلده ولا يبدو أن الثاني يرفضها) في صفة واحدة: التقية السياسية... هذه التي يسمونها في طهران حياكة السجاد في التعامل مع العالم، فيما لا تجد دمشق اسماً لها سوى...

«التقية» في الملف النووي لطهران والكيماوي لدمشق!

محمد_مشموشي |

تشترك «إيران علي خامنئي» و «سورية بشار الأسد» (التسمية التي يطلقها أحدهما على بلده ولا يبدو أن الثاني يرفضها) في صفة واحدة: التقية السياسية... هذه التي يسمونها في طهران حياكة السجاد في التعامل مع العالم، فيما لا تجد دمشق اسماً لها سوى التذاكي. ولم يعد خافياً على أحد، لا سيما في خلال الأعوام الأخيرة، أن المناورة هي لعبة النظامين الأساسية، ليس في تعاملهما مع الخارج ومشكلاتهما معه فحسب، إنما في تعاطيهما مع الداخلين الإيراني والسوري والتلاعب بالرأي العام فيهما أيضاً.

وليس مبالغاً به القول أن ما فعلته دمشق بالنسبة إلى ترسانتها من الأسلحة الكيماوية قبل نحو عامين، بإعلانها التخلي عنها تنفيذاً لطلب الولايات المتحدة التي اعتبرت استخدامها ضد الشعب السوري خطاً أحمر، هو تماماً ما فعلته طهران أخيراً في ما يتعلق بملفها النووي بعد أن بلغ تأثير العقوبات عليــها حــداً لم تــعد تــحتمله من جهة، ووصل الأمر بالرئيس الأميركي باراك أوباما (حتى أوباما الذي يرفض الحرب؟!) من جهة أخرى إلى حد التهديد بأن الخيار العسكري ضد إيران النووية لن يــبــقى مقفلاً إلى الأبد.

وأوجه الشبه في هذا السياق أكثر من أن تعد وتحصى:

هناك أولاً، وفي الشكل قبل أي شيء آخر، ما برر به النظام السوري تخليه عن أسلحته الكيماوية. قال أنه كان يرى، ومنذ زمن، أن هذه الأسلحة باتت عبئاً ثقيلاً عليه، وأنه كان يريد التخلص منها حتى قبل مطالبته بذلك من الولايات المتحدة أو من غيرها من دول العالم. والشيء ذاته لجأت إليه إيران عندما قالت مع بداية التفاوض بينها وبين الدول الـ5 +1 بشأن هذا الملف، أنها لم تفكر يوماً بإنتاج سلاح نووي، وحتى أن دينها يحرم عليها تصنيع مثل هذا النوع من الأسلحة الفتاكة.

أما في المحتوى، فلم يمر وقت طويل حتى تبين أن إحدى المقولتين، السورية هنا، كانت جزءاً من مناورة لجأ إليها الأسد لإبعاد الشبح الأميركي عنه. إذ لم يجد، بعد شهور من إعلانه تسليم الوكالة الدولية للأسلحة الكيماوية كامل مخزونه من الأسلحة، ما يمنعه من الاعتراف بأنه لا يزال يحتفظ بثلاثة مصانع ومخازن عدة لهذه الأسلحة، وبأنه مستعد لتسليمها إلى الوكالة. حتى إذا سلمها، كما قالت الوكالة لاحقاً، ردّ ناطق باسمه قبل أيام فقط على تقرير لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» اتهمه باستخدام أسلحة كيماوية ضد حلب، بأنه لو فعل ذلك لكان سكان هذه المدينة قد أبيدوا عن آخرهم.

هل يشكل كلام الناطق هذا اعترافاً متجدداً بأنه لا تزال لدى الأسد أسلحة كيماوية؟.

بالنسبة إلى المقولة الإيرانية عن ملفها النووي، لم يصل الأمر بعد إلى حد كشف الكذب، لكن ما ردده خامنئي وأعوانه منذ توقيع «الاتفاق/الإطار» في لوزان، وخلافاً لنص هذا الاتفاق، من أن أي اتفاق نهائي لن يكون ممكناً إلا بالتزامن مع الرفع الكامل والنهائي للعقوبات، يشير إلى أن تلاعباً مماثلاً بالكلام وحتى بالاتفاقات يجري الآن وسيجري في المستقبل. وفي كل حال، فتاريخ إيران مع فرق التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة النووية وعلى مدى سنوات يؤكد هذا التوجه.

مع هذا، فمقولتا إيران وسورية عن ملفيهما الكيماوي والنووي ليستا وحيدتين الآن ولم تكونا كذلك في السابق، لا في مواجهة المجتمع الدولي ولا خاصة في مواجهة العالم العربي.

كلتاهما رفعت سابقاً، كما ترفع الآن، لافتة بعنوان ما (فلسطين، على سبيل المثال)، لكنهما تتجهان بكل ثقلهما نحو هدف آخر، وحتى مناقض له، كما هي الحال مع شعار»المقاومة والممانعة» أو في مواجهة ما يسميه «الاستكبار العالمي» ورأسه «الشيطان الأكبر» الأميركي الذي يستجديه حالياً لعقد اتفاق نووي معه.

وكلتاهما عملت وتعمل دائماً لخلق «وقائع» مسلحة على الأرض، مثل الفصائل الإرهابية في سورية والميليشيات المذهبية في لبنان والبحرين والسودان والعراق واليمن، ثم تنكر أبوتها وعلاقاتها معها وتلحقها بما تسميه تارة «المؤامرة الكونية» على سورية، وأخرى «الاحتلال الأميركي» للعراق، وفي الفترة الأخيرة «العدوان السعودي» على اليمن.

وكما في تعامل النظامين مع الخارج كذلك في تعاطيهما مع الداخل. إذ لا يشبه كلام الأسد على «مصالحات» في بعض المدن، أو على «عودة الوعي» لبعض من انشقوا عن قواه المسلحة، أو على «الانتصارات» التي يحققها النظام هنا وهناك، سوى كلام معلمه خامنئي على «الإجماع الشعبي» من حوله في الداخل، وعلى «تمريغ أنف» كل من الولايات المتحدة في الملف النووي والمملكة العربية السعودية في الحرب في اليمن.

هي التقية السياسية، بل هي الكذب بكل ما في الكلمة من معنى. لكن خطورتها هنا لا تكمن في ما يفعله النظامان في داخل بلديهما وفي الخارج فحسب، إنما أساساً لأن أحدهما يحمل أسلحة كيماوية وبيولوجية وقد استخدمها مرارا ضد شعبه، ولأن الثاني يملك أقله حتى الآن قدرة نووية قد تصبح في أية لحظة سلاحاً في يد من لا يؤمن على كلامه.

 

 

* كاتب وصحافي لبناني


الأكثر قراءة في شباب
المزيد من شباب