«يمكن الرئيس أن يوقع أي قرار يشاء لكن القانون هو القانون، ولا عودة للتعذيب إلى الولايات المتحدة». هذا ما قاله السيناتور جون ماكين، المعتقل السابق في فيتنام إبان حربها، رداً على تلويح الرئيس المنتخب دونالد ترامب بإمكان استعادة «أساليب...

هل يعود التعذيب إلى أميركا وتبقى بلداننا نقاط خدمة له؟

بيسان الشيخ |

«يمكن الرئيس أن يوقع أي قرار يشاء لكن القانون هو القانون، ولا عودة للتعذيب إلى الولايات المتحدة». هذا ما قاله السيناتور جون ماكين، المعتقل السابق في فيتنام إبان حربها، رداً على تلويح الرئيس المنتخب دونالد ترامب بإمكان استعادة «أساليب الاستجواب القاسية» ومنها «تقنية الإغراق» لانتزاع اعترافات من «المقاتلين الأعداء».

وفي خضم سلسلة من القرارات العشوائية التي يبدو أن ترامب بدأ باتخاذها كمن ينتقم لنرجسية جريحة، أعلن الرئيس الأميركي في اول لقاء تلفزيوني عقب انتخابه، أنه شخصياً لا يزال على اقتناع تام بأن تلك الأساليب، وأكثرها اثارة للجدل، أي ايهام المعتقل بالغرق، مفيدة وناجعة بعكس دراسات وتقارير كثيرة صدرت لتثبت خلاف ذلك.

وكانت تلك «التقنيات» وغيرها من فنون التعذيب، بعض ما اعتمدته «سي اي ايه» لاستجواب المتهمين بالإرهاب عقب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ضد من سمتهم «مقاتلين أعداء»، وهو توصيف فضفاض يتيح باعتقال أي كان لشبهة أو وشاية وغالباً من غير الأميركيين لفترة غير محددة من الزمن ومن دون الإحالة على المحاكمة. وعلى هذا الفراغ القانوني تحديداً، اقيم معتقل غوانتانامو الذي تتخبط ادارة أميركية تلو الأخرى في شأن إغلاقه أو إبقائه.

ولكن يبدو أن ترامب الميال الى احلال اليقين الذاتي وفق أي منطق أو قانون، ليس متردداً كثيراً في هذا الشأن. فهو يؤيد إبقاء المعتقل السيئ السمعة في الجزيرة الكوبية، لكن الأخطر أنه يفكر جدياً في اعادة تفعيل العمل بـ «البؤر السوداء»!

ولمن لا يعرف، تلك هي سجون سرية تشرف عليها «سي آي إيه» في بلدان منها سورية مثلاً وأفغانستان ورومانيا وغيرها، وتقدم خدمات التعذيب بلا حسيب أو رقيب تحت شعار «مكافحة الإرهاب». وهي إذاك تضم الى جانب الأفراد والمجموعات الذين ترغب واشنطن في استجوابهم وانتزاع اعترافاتهم بأي طريقة كانت، مواطنين خرجوا عن طوعها أو تجرأوا على معارضتها.

وفي عهد الرئيس جورج بوش الابن، منحت «سي آي إيه» صلاحيات واسعة بذريعة «حماية أرواح الأميركيين» من هجمات مشابهة لـ 11 أيلول، فاعتمدت التعذيب سياسة معلنة ولكن أيضاً ضمن سقف معين.

واستعانت بأطباء وخبراء نفسيين لاجتراح سبل التعذيب ووضع سلم بالممارسات القهرية التي يمكن للولايات المتحدة تطبيقها، من حرمان من النوم او الإجبار على الأكل أو اخضاع الأشخاص لموسيقى مدوية لأيام متتالية، وغير ذلك الكثير مما بلغ ذروته مع «تقنية الإغراق».

أما ما يفوق ذلك وحشية وقد يترك آثار دماء دامغة على اليدين، فيعهد به الى دول «صديقة» وصاحبة باع في المجال، لتؤدي المهمة مقابل الحفاظ على أنظمتها والسكوت عن خرقها حقوق الإنسان وتعذيب المعارضين وتغييبهم وتصفيتهم... تحت الذريعة نفسها طبعاً، أي محاربة الإرهاب. فإذا كانت واشنطن تبيح ذلك لنفسها، فلم لا تبيحه دمشق أو غيرها أيضاً طالما مصادر الخوف، واقعية كانت أو مزعومة، هي نفسها.

والحال أن اسطوانة الرعب هذه، التي تعود لتدار الآن مع رئيس أميركي من شاكلة ترامب، مرشحة للبقاء والاستمرار عقوداً اضافية في ظل التحالف مع رئيس روسي من شاكلة فلاديمير بوتين و»حليف محلي» مثل بشار الأسد. وعليه، فالصور والشهادات التي رشحت من أقبية النظام السوري وتلك التي لم ترشح من سجون كثيرة أخرى، لن تكون ماضينا الأسود فحسب، بل مستقبلنا الموعود أيضاً.

ومعلوم أن التعذيب لا يفيد بسحب معلومات دقيقة أو ذات صدقية. فالسجين الذي يتعرض للتعذيب، الجسدي أو المعنوي، قد يعترف بأي شيء ليبعد عنه الألم، أو يخفف وطأته، بما في ذلك اجتراح روايات يعتقد أن جلاديه قد يرغبون في سماعها. وفي ذلك، ليس فقط اعتراف بضلوعه بأدوار قد يكون بريئاً منها، وإنما ايضاً توريط لآخرين وتقديم معلومات تضلل التحقيقات أكثر مما تفيدها. علماً أن الدليل القضائي الوحيد المتوافر حتى الآن ضد عدد من معتقلي غوانتانامو، ليس إلا توقيعهم على افادات انتزعت منهم تحت التعذيب.

وكان التقرير الأخير والمفصل الذي أعدته لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ (2014) أكد ان المعلومات التي تم جمعها بهذه الطرق الوحشية لم تحقق هدفها في التخفيف من التهديدات أو احباط مزيد من الهجمات، كما لم تجعل المعتقلين أكثر تعاوناً، بدليل عودة كثيرين من المفرج عنهم الى ساحات القتال.

والحال أن نتائج ذلك الخيار جاءت عكسية حتى بالنسبة إلى واشنطن الحريصة على صورتها، إذ تلطخت سمعة أميركا أكثر فأكثر، وزاد الاحتقان العربي والإسلامي تجاهها وتجاه «الغرب» عموماً، ما سهل في المقابل للمتشددين تبرير هجماتهم وتجنيد الشبان لتنفيذها.

وصحيح أن واشنطن أوقفت التعامل بتلك المنهجية منذ زمن، واعترفت بالخطأ وبدأت حملة محاسبة ومساءلة، إلا أنها عملياً اعتذرت لنفسها عن ضرر أوقعته بغيرها. فذلك الاعتذار لا يلغي أن تلك التجاوزات وقعت بالفعل على أشخاص ليس من يقف معهم أو يدافع عن حقهم اليوم، كما لا يلغي المسؤولية الأخلاقية والسياسية التي تتحملها واشنطن حيال بلدان شرعنت لها التعذيب وساعدتها في حفر أقبيته، ثم تركت مواطنيها يواجهون مصيرهم فيها وحيدين.

وإذا كان بلد كالولايات المتحدة يخضع في شكل أو آخر لآليات مساءلة داخلية، وقوانين ومعارضة تبدو صلبة حالياً، حيال خرق اتفاقيات حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية واعتماد «أساليب استجواب قاسية» لحماية نفسها، تبقى المعضلة في «بؤر سوداء حقيقية» كبلداننا، تمارس صنوف التعذيب المجاني والمنهجي لا لشيء إلا لتكريس الخوف وحماية الأبد. فتلك للأسف، قيم قادة يرى فيهم ترامب إغراء لا يقاوم.


الأكثر قراءة في
المزيد من