إن كنتَ ممّن يملكون الصبر والاهتمام اللازمَين لتلقُّف أخبار الصراع السياسي العتيد في لبنان، وسماع الأصوات السياسية العالية النبرة والفائقة العدد، والتي تلوك الخطاب ذاته على مدار الأيام والسنين، والذي يُحيل غالباً إلى خارجٍ أفلت من يد...

اللاوعي الطائفي عندما يتحكّم بيساريّي لبنان

عايدة_الجوهري |

إن كنتَ ممّن يملكون الصبر والاهتمام اللازمَين لتلقُّف أخبار الصراع السياسي العتيد في لبنان، وسماع الأصوات السياسية العالية النبرة والفائقة العدد، والتي تلوك الخطاب ذاته على مدار الأيام والسنين، والذي يُحيل غالباً إلى خارجٍ أفلت من يد الجميع، ستتساءل عن أمزجة المحكومين اللبنانيين السياسية، أمام تدهور مؤسساتهم الدستورية إلى حدّ التعطيل الكامل لمنصب رئاسة الجمهورية والجزئي لباقي المؤسسات الدستورية، وتردّي أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.

بدايةً، استعملنا مصطلح «مزاج» للدلالة على أحكام اللبنانيين السياسية لا «الرأي العام»، فالرأي العام هو حُكم عقلي يصدر عن جمهور من الناس يشترك بالشعور بالانتماء، إلى فضاء جيوسياسي - اجتماعي - ثقافي، ويرتبط بمصالح مشتركة، إزاء مسألة من المسائل، بحيث يؤدّي موقفه إلى التأثير السلبي أو الإيجابي في الأحداث بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. الأمر الذي لا ينطبق على التركيبة السياسية للمحكومين اللبنانيين، وفي العقد الأخير، على الأقل، لم تُفصح الجماهير اللبنانية عن أحكام سياسية، أي غير عاطفية، مغايرة للأحكام السلطوية الرسمية المتقابلة. وقد نقع على أصوات متفرّقة متفرّدة نخبوية تصدح هناك وهناك ولا تشكّل ثقلاً جماهيرياً وتياراً سياسياً ملموساً.

أمّا المزاج فهو ما جُبلت عليه النفس من أحوال وطبائع، والتي توجد بالفطرة ولا يتعلّمها الإنسان، وخاصيّة المزاج هي خضوعه للمشاعر والأجواء النفسية والعوامل البيئية، أي إفلاته من الإرادة والوعي والإدراك.

يشهد اللبنانيون شللَ مؤسّساتهم الدستورية وسلبية حكّامهم الصلفة، وأداء نوّابهم المخرِّب واللامبالي، وتراجع اقتصادهم واعتلال أمنهم، مقابل حيوية استشراء وباء الفساد، ولا يحرّكون ساكناً، سوى في الصالونات الواقعية أو صالونات الفايسبوك الأثيرية، هم قابعون، ومن دون ضجرٍ ملموس، في محطّة انتظار هالكة، ينتظرون أقدارهم، فاقدين القدرة على التفكير في أزماتهم وربطاً على القول الجديد والمغاير، والحكيم الذي قد يتبعه فعل.

ولأنّهم نهب خطابات سياسية مؤدلجة تؤجّل الحياة العامّة لأجل غير مسمّى، أحكامهم السياسية ليست صنيعهم، بل صنيع حكّامهم الذي يُملون عليهم أنماط تفكيرهم وأولوياتهم وقيمهم السياسية، بنعومة استبدادية تمويهية قلّ نظيرها، تجعل التطابق بين الحكّام والمحكومين مذهلاً، ولا تسعه الأنظمة الديكتاتورية ولا الديموقراطية طبعاً. هي ظاهرة سياسية فريدة تُضاف إلى الظواهر السياسية الغريبة على العصر الحديث التي تسم النظام اللبناني.

نجح الحكّام اللبنانيون في تحويل اللبنانيين إلى كائنات استراتيجية، مرهونة للخارج، إلى أفرادٍ غير موجودين بذاتهم ولذاتهم، بل بغيرهم ولغيرهم، وبحصر اهتمامهم بشؤونهم الداخلية العامّة وحياتهم اليومية، بأوقات الفراغ.

وغير الجدير بالتنويه، لأنّه نافر وفجّ، هو تطابق «أمزجة» اللبنانيين السياسية مع انتماءاتهم الطائفية. وليست التداخلات السياسية بين الطوائف، سوى وسيلة لتقوية مواقع هذا التكوين السياسي، أو ذاك، في الصراع الداخلي على السلطة.

أمام هذا السديم لا بدّ من أن تتساءل عن موقف العلمانيين وتحديداً اليساريين، يستقيم السؤال عن اليساريين لا عن العلمانيين عمموماً، لأنّ بعضَ الأحزاب المسمّاة علمانية انخرطت انخراطاً كاملاً بالنظام، غداة انتهاء الحرب، مجمّدةً خطابها العلماني تحت حرارة منخفضة.

وإذا طاب لك تقصّي أخبار اليساريين فستجد أنّ أعداداً مرموقة منهم، في أثناء الحرب، وبعدها، خصوصاً بعد عام 2005، التحقت بمشاريع طوائفها، الداخلية والإقليمية الاستراتيجية، أو الإقليمية والاستراتيجية فحسب، المتعارضة مع طوائف أخرى. والذي اختار مشروعاً مغايراً لمشروع طائفته، إنّما فعل ذلك من باب الوفاء للغة خشبية تلعن الإمبريالية وتطرب لممانعة افتراضية، موهومة، أو من باب الانضمام إلى صحوة سيادية استقلالية متأخّرة، يروّج قادتها لبناء دولة من دون أن يخطّطوا أو يفعلوا شيئاً محدّداً لبنائها وعلى قاعدة المواطنية، لا بل يتشاركون مع الأطراف الأخرى في انتهاك القوانين والحقوق العامّة. فملفات الفساد التي تتراكم منذ التسعينات لا تكاد تستثني أحداً. وهو في الحالتين يتباهى بمغادرة ضفّة طائفته إلى ضفّة الطائفة المقابلة. غير أنّ من امتلك منهم ما يكفي من القوّة والإرداة الذاتيين، بنى موقفاً شخصياً مركّباً، وغرّد وحيداً، إلا أنّ اسمه تائه بين الكثرة.

وبات مألوفاً سماع مصطلحات من طينة شيوعي – شيعي، مسيحي – شيوعي، درزي – شيوعي، التي تختزل بصراحة فجّة واقع اليساريين اللبنانيين. نحن نستعمل عموماً لفظة يساريّ، لأنّ لفظة شيوعي لا تكفي لتصنيف الحساسيات اليسارية كافّة.

لا يُنكَر على اليساري حقّه في صياغة رأي في علاقات لبنان الخارجية، والدفاع عنه، غير أنّ لا شيء يبرّر تموضعه الكامل إلى جانب هذا المحور أو ذاك، وإغفال الدور الذي نذر له نفسه نظريّاً، والذي يقضي بإيلاء الشأن الداخلي اهتماماً مطلقاً، والاهتمام، الآن وهنا، بسير عجلة الدولة والقوانين والقضاء والدفاع عن الحريات، والتصدّي لجميع أشكال الفساد إلخ... أي كل ما يتوقّع من مجموعة سياسية تنشد دولة حديثة وعادلة، كما أنّ لا شيء يبرّر وقوفه إلى جانب أنظمة استبدادية أعجمية أو عربية.

هل يُعقل ألّا تتمايز مواقف اليساريين عن مواقف الجموع، عن مواقف اليمين؟ وجميع الأحزاب اللبنانية الفاعلة، تُصنَّف بالتعريف الدقيق، في خانة اليمين؟ ألا يفترق مشروعهم عن سائر المشاريع السياسية؟ لا يكفي شتم النظام الطائفي فجر كلّ يوم، لصياغة مشروع بديل، كما لا يكفي الاعتقاد بامتلاك وصفة سحرية مستورة مكنونة لانتزاع ثقة الناس واستقطابهم.

ممّا يُذهل هو تبنّي غالبية اليساريين مشاريع طوائفها الاستراتيجية، وإغفالها مشروعها الأساسي الافتراضي، هل هو الوعي الديني الطائفي الذي يطغى على الوعي الاجتماعي؟

ربّما أصاب عالم التحليل النفسي سيغموند فرويد (كريستوف كولومبس اللاوعي الذي أزاح النقاب عن الجانب الخفي الكامن وراء تفكير الإنسان وسلوكاته الذي يعرقل إرادة الفرد الحرّة وسيادة «الأنا»، لمصلحة «الهو») مخزن الغرائز والنوازع والرغبات، أو «الأنا العليا» المصنوعة من ذاكرة تقاليد وعادات ومعتقدات وانطباعات وخبرات دفينة، لا تلبث، هذه وتلك، أن تطفو على السطح، خلسةً عن الوعي.

غير أنّ الفرد اليقظ، والعارف، محكوم بالسيطرة على لا وعيه والتحكّم به، وعلى عيش الوعي بالوجود، وطبقاً للمعرفة التي تحرّكه، فهو «فاعلية» قادرة مبدئيّاً على العودة إلى الذات والتأمّل فيها وقراءتها، فالوعي يقدّم صورة حقيقية عن الواقع، تحرّره من مفاعيل الوهم والأيديولوجية.

أن أكون واعياً يعني أن أفعلَ وأحسَّ وأفكّرَ وأن أعي ذلك كلّه.

وأمام هذا السديم الأيديولوجي الغوغائي المضلّل، لا يسع اليساري اللبناني سوى تدجين ذاته، ومراقبة لا وعيه، كي لا يخلطَ بين الدين والسياسة، والطائفة والسياسة، فاقداً أفقه العلماني المدني، ومعه حقّه في الدعوة إلى علمنة الدولة والمجتمع.

نعم، اخترنا وتوخّينا أن يكون لليساريين في خضمّ فوضى المعاني صوتٌ مغايرٌ، لأنّهم مخوّلون، نظريّاً، نسج خطاب مدني منزّه، يلملم الأشلاء، ويوقظ الضمائر النائمة، مطلقاً صفارة إنذار تطالب بإعادة البلد المخطوف إلى أهله. إنّه صوت كلّ لبناني لا يرغب في أن يكونَ شاهدَ زور. إنّه تمرين المشلول ذي الإرادة الحديد الذي يحاول الخروج من عجزه والانتصار عليه.

 

 

* كاتبة لبنانية


الأكثر قراءة في شباب
المزيد من شباب