لم تقطع المستشارة الألمانية المسافة الى أنقرة لتحاضر بالديموقراطية وتذكّر بفوائد حرية التعبير، على ما بدا في المؤتمر الصحافي المشحون الذي تلا لقاءها الأخير بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان. فذلك كان ممكناً قوله من حيث هي في بلدها، من دون...

تانغو مركل - أردوغان

بيسان الشيخ |

لم تقطع المستشارة الألمانية المسافة الى أنقرة لتحاضر بالديموقراطية وتذكّر بفوائد حرية التعبير، على ما بدا في المؤتمر الصحافي المشحون الذي تلا لقاءها الأخير بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان. فذلك كان ممكناً قوله من حيث هي في بلدها، من دون الحاجة للحضور شخصياً وتسجيل زيارة رسمية إضافية ترفع الرقم القياسي لأي قائد أوروبي في سجل الزيارات الى تركيا، وبلغت في حالتها سبع زيارات منذ أقل من عام ونصف عام.

ويأتي اللقاء الأخير بين مركل وأردوغان في توقيت دقيق يحمل دلالات كثيرة محلياً وخارجياً. فهو الأول لزعيم أوروبي بهذا الوزن بعد الانقلاب الفاشل الذي شهدته تركيا الصيف الماضي، ويأتي مباشرة بعد زيارة البريطانية تيريزا ماي التي عقدت عدداً من «التفاهمات» والاتفاقات التجارية مع تركيا، فيما ترعى الآن خروج بلدها من الاتحاد الاوروبي بأقل الأضرار الممكنة.

ولكن الأهم يبقى أن لقاء مركل- أردوغان يسبق أيضاً استفتاء شعبياً وشيكاً لتغيير النظام في تركيا الى رئاسي، وهو ما بدأ الحشد له داخلياً بتسخير كل الجهود الإعلامية والسياسية والأمنية، لتصب الأصوات في خانة «نعم».

صحيح أن مركل شددت في كلمتها على ضرورة احترام الأسس الديموقراطية، والحفاظ على حرية التعبير، فاستشهدت بتصدي المواطنين العاديين بمختلف انتماءاتهم لمحاولة الانقلاب كدليل على تمسكهم بالديموقراطية والحكم المدني، ثم عرجت على التعددية الحزبية مذكرة بأن المعارضة أيضاً جزء لا يتجزأ من الديموقراطية، إلا أن ذلك كله جاء أقرب الى المطالعة التبريرية والدفاع عن النفس الذي أجبرت عليه مركل في شكل أو آخر.

فذلك الخطاب موجّه أولاً لتهدئة رأي عام ألماني وأوروبي بدأ يمتعض من المستشارة وينتقد تقربها المبالغ من «السطان» وغض الطرف عن تجاوزات كثيرة في مجال حقوق الإنسان، كما يهدف في الوقت عينه إلى طمأنة شريحة تركية أقل اتساعاً ومعارضة بطبيعة الحال، ضاقت ذرعاً بالازدواجية الأوروبية والصمت المطبق حيال ما تتعرض له المعارضة من تضييق وملاحقات. انها رسالة مزدوجة عززتها مركل بعشاء مع قادة «حزب الشعب الديموقراطي» المعارض، وأرادت منها التذكير بالمبادئ العامة التي يمكن أن تتحول الى ورقة ضغط وتهديد ربما، تشهرها أوروبا في وجه تركيا.

وتلك المناورة لم تفت أردوغان الذي قطع الطريق على أي ابتزاز سياسي محتمل قد يتم اخضاعه له، فسارع بأن أشهرَ ورقة مقابلة لا تقل فاعلية، وهي ربط المسلمين بالتطرف. ففي سياق عرض تفاهم مشترك حول محاربة الإرهاب، وبّخ الرئيسُ المستشارةَ علناً على سوء اختيار تعابيرها في هذا السياق، وعبر عن «حزن شديد» لتلك النظرة النمطية التي يحملها الغرب حيال المسلمين، دافعاً بها الى تقديم اعتذار وتوضيح، لتأتي النتيجة النهائية وتحسم مواطن القوة وتذكّر بمساحات النفوذ في العلاقة بين البلدين. وبذلك تبقى تلك المطالعات عملياً ضمن اطار الدعم المعنوي، الذي لا يغني ولا يسمن عندما يحين الاستحقاق السياسي الفعلي.

والحال أنه لا يمكن قراءة زيارة مركل الى أنقرة إلا كونها تفويضاً أوروبياً جديداً لأردوغان وتصويتاً غير مباشر له بـ «نعم» في الاستفتاء المقبل، مع تسجيل بعض التحفظات لجهة الحريات العامة وما يفرضه ذلك من ضرورات حفظ ماء الوجه. فالمأزق الذي يواجه مركل، والاتحاد الأوروبي من خلفها، أكثر تعقيداً من أن يؤدي إلى استبعاد تركيا عن طاولة حله وإن كان الثمن القبول بتغيير نظام بلد بحجم تركيا. فالمستشارة مقبلة أولاً على انتخابات داخلية تتعرض فيها لمنافسة شديدة وانتقادات كثيرة حيال ما يعتبر نقطة نجاح في مسيرتها، أي معاهدة وقف تدفق اللاجئين الى أوروبا، التي أبرمتها العام الماضي مع تركيا وأثبتت فعاليتها حتى الآن. لكن منتقديها يرون فيها مجرد هدف قصير المدى تحقق من دون اي ضمانات مستقبلية، فهم يعتبرون الشروط الكثيرة التي وضعت مقابل اغلاق الحدود البرية والبحرية، ورقة ابتزاز سياسي طويلة المدى سلمتها مركل للجانب التركي. ودليلهم على ذلك اضطرارها للخضوع لعدد من الشروط التي كان يمكن ان تتخفف منها لولا هذا الاتفاق، ومنها مثلاً القضية القبرصية، والقضية اليونانية، ورفع التأشيرات عن الأتراك، والمساعدات الاقتصادية والسكوت عن تجاوزات حقوقية كثيرة أعقبت الانقلاب. وإلى ذلك يتخوف هؤلاء ايضاً من تأثير حزب «العدالة والتنمية» في بيئة المهاجرين الأتراك في ألمانيا وهم الكتلة الأكبر، والمساهمة في «أسلمتهم» أكثر فأكثر خصوصاً وأن نفوذ الحزب واسع بين أئمة المساجد ويملك مقدرات مالية عالية. لكن مركل نفسها تعول على هؤلاء في الانتخابات المقبلة، وترى في تعزيز العلاقة مع بلدهم الأول باباً واسعاً لقلوبهم وأصواتهم.

وفي المقابل، يأخذ الجانب التركي على أوروبا، وألمانيا تحديداً، سكوتها عن الانقلاب، وإيواءها ضباطاً متهمين بالانتماء الى ما بات يسمى «جماعة غولن الانقلابية». ويشكل هؤلاء نحو 40 ضابطاً يخدمون في قاعدة لـ «الناتو» وقد طلبوا اللجوء خوفاً من إعادتهم لبلدهم وإخضاعهم للمحاكمة. يضاف الى ذلك، مأخذ لا تساهل فيه وهو دعم «الانفصاليين» الأكراد بالمال والسلاح، وهم من يشملهم التعريف التركي للارهاب ايضاً ولا تكفي محاربتهم «داعش» لتبييض صفحتهم. وبذلك، وُضعت أوروبا أمام تحد اضافي يفرض عليها اثبات حسن النية، ولكن أيضاً ضبط «ارهابيي» الآخرين، مقابل مساعدتها على ضبط «ارهابييها».

لا، لم تقطع المستشارة الألمانية تلك المسافة المعنوية والسياسية الى أنقرة لتعريف الأتراك بفوائد الديموقراطية وحرية التعبير. كذلك، لم تقطعها عبثاً. فقد جاءت تؤكد مصالحها المشتركة مع تركيا الجديدة بما يضمن لكل طرف أولوياته، والواضح انها لم تعد بسلة فارغة.


الأكثر قراءة في
المزيد من