تقف تركيا اليوم عند انعطافة تاريخية تحددها نتائج الاستفتاء العام على التعديلات الدستورية، والمرتقب اجراؤه في 16 نيسان (أبريل) المقبل، فيما يترقب الشارع إطلاق الحملة الدعائية الرسمية الأسبوع المقبل فور عودة الرئيس رجب طيب أردوغان من...

تركيا على أهبة الاستفتاء

بيسان الشيخ |

تقف تركيا اليوم عند انعطافة تاريخية تحددها نتائج الاستفتاء العام على التعديلات الدستورية، والمرتقب اجراؤه في 16 نيسان (أبريل) المقبل، فيما يترقب الشارع إطلاق الحملة الدعائية الرسمية الأسبوع المقبل فور عودة الرئيس رجب طيب أردوغان من جولته الخليجية.

العيون شاخصة الآن ليس فقط على اليوم المصيري الذي قد يطوي صفحة الاتاتوركية ويفتح على أخرى غير واضحة المعالم بعد، ولكن أيضاً على الأيام التي ستسبق الاستفتاء وما تحمله للبلاد من ترقب وشد أنفاس.

فالحملة الدعائية الهائلة التي انطلقت منذ بعض الوقت في شكل غير رسمي، وتحث الناخبين على التصويت بـ «نعم» للتعديلات الدستورية، عبر ملصقات وشرائط مصورة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، والتي انخرطت فيها وجوه شعبية وإعلامية وفنية، ستأخذ منحى أكثر حسماً وشرعية مع الانطلاقة الرسمية، عبر مشاركة الرئيس نفسه ورئيس وزرائه في الجولات والحملات الترويجية في المدن الأساسية وبعض الولايات.

وتبدو الاستعدادات شبيهة بأي انتخابات يخوضها حزب ما للفوز بمقاعد في مؤسسات السلطة، مع فارق إن ما يتيحه لنفسه هذه المرة من آلة حشد إعلامي وسياسي، محجوب تماماً عن منافسيه ومعارضيه. فلا ننسى أن السلطة تلعب دور الحكم أيضاً في هذا السباق المنفرد، الذي تجريه فيما البلاد تعيش تحت قانون الطوارئ.

وذلك وغيره بدآ يزيدان الاحتقان ويجعلان كتلة الأصوات المترددة تميل نحو»لا»، عوضاً عن أن تستقطبها كتلة الـ «نعم».

والحال أن الخطاب الداعي الى التعديلات الدستورية يركز على عنصرين رئيسين، أولهما فوائد ذلك التغيير التي تتلخص عملياً بأن التصويت لمصلحة «نعم» هو تصويت لـ «الاستقرار والتنمية»، وثانيهما يقوم على شيطنة من يصوت بـ «لا» وتلويح بدعمه «الارهاب» مع ما يعنيه ذلك من عواقب قانونية وملاحقات محتملة، من دون إبداء ولو اهتمام شكلي بطمأنة مخاوف حقيقية لدى شرائح واسعة من المجتمع التركي إزاء تغيير بهذا الحجم يحدث للمرة الأولى في تاريخ البلاد الحديث.

صحيح أن الأمور لم تصل بعد الى وصف الرافضين للتعديلات الدستورية بأنهم «إرهابيون» في شكل مباشر، لكن ربطهم بـ «حزب العمال الكردستاني الإرهابي»، وبـ «مدبري الانقلاب» ووصفهم بـ «الراغبين في تقسيم البلاد وهم ضد العلم»، على ما قال أردوغان نفسه رداً على سؤال «من يرفض الإصلاحات؟»... لا يشي بكثير من التفاؤل. فبغض النظر عن القضية الكردية التي تثير جدلاً كبيراً حتى في أوساط كانت لتكون مؤيدة للتعديل الدستوري، يبقى أن رغبة التقسيم وكراهية العلم والنيات الانقلابية، لا تمر مروراً عابراً لدى تيارات كثيرة، أبرزها خصوم «العدالة والتنمية» الذين نزلوا الى الشوارع مناهضة للمحاولة الانقلابية، ودافعوا بكل قوتهم ضد انقلاب العسكر. فكأن ذلك الكلام يقول لهم عملياً إن سعيهم مشكور، لكنه يتوقف عند هذا الحد.

واللافت أن احصاءات رسمية تجرى دورياً في أوساط الحزب، كشفت أخيراً تراجعاً في نسب المصوتين بـ «نعم» لمصلحة ازدياد الكتلة الرمادية أو ما يسمى بالأصوات المترددة. وبدا أن هامش المتأكدين من رغبتهم في التعديل الدستوري تراوحت بين 51 و54 في المئة فقط، وهي الكتلة الناخبة الصلبة لـ «حزب العدالة والتنمية» التي اعتمد عليها أردوغان في الدورات الانتخابية السابقة.

وإذ يفترض أن يؤمن الحزب القومي التركي نحو 5 في المئة من الأصوات أيضاً في مقابل مكتسبات مستقبلية، يبقى أن المهمة صارت أصعب اليوم مع شقاق داخلي يعانيه القوميون وسط تيارهم وبروز قيادات جديدة تعارض النهج الداعم للتعديلات الدستورية.

أما الليبراليون وغير الحزبيين الفعليين، الذين حجبوا أصواتهم عن «العدالة والتنمية» في الانتخابات التشريعية الأخيرة في 2015 للمرة الأولى منذ 2002، فهم مرشحون الآن إما للتصويت بـ «لا» أو في أحسن الأحوال الاحتجاب عن المشاركة اًصلاً. فهؤلاء، وعوضاً عن أن تغريهم صلاحيات رئاسية موسعة «تجعل النظام في تركيا يشبه فرنسا والولايات المتحدة» على ما يشاع، يخيفهم ما يحدث من تضييق على الحريات العامة، وحجب لوسائل الإعلام، والاستمرار في سياسة إقالة الأكاديميين وقرارات منع السفر وغيرها مما تتمسك به تلك الشريحة. فهي وإن كانت مستعدة لتقديم تنازلات في حيز العمل السياسي المباشر، فإنها ترفض خسارة مكتسباتها الاجتماعية والمهنية وحصتها من المساهمة المباشرة في الشأن العام الفكري والثقافي وإن من باب «نخبوي»، يعاديه أردوغان أشد معاداة.

وفيما تميل المؤشرات الى أن نتائج الاستفتاء ستكون إيجابية وفي مصلحة التعديل، وسيغدو إردوغان رئيساً بصلاحيات مطلقة، يبقى أن المعضلة التي ستبرز سريعاً غداة الاستفتاء، هي ما سيلحقه الفوز بنسبة ضئيلة من تشنج ومحاولات إخضاع للمجتمع من قبل سلطة مأزومة. فإذا كان الفوز سيتم بنحو 55 في المئة من الاصوات، كما هي المؤشرات اليوم، فذلك يعني أن نصف الناخبين تقريباً وعلى اختلاف مشاربهم، معادون لنظام سياسي يخطو خطواته الأولى ويحتاج الى كل دعم واحتضان شعبي ممكن. ومن شأن ذلك أن يرفع حالة الاستقطاب الى ذروتها، ويجذّرها ليس فقط بصفتها تنافساً سياسياً على الحكم لدورة انتخابية أو اثنتين، وإنما بجعلها خصومة بين «نظام» و «أنتي نظام». وإذّاك، تصبح البلاد مشرعة على كل الاحتمالات وبعضها قد لا يكون بالضرورة ساراً.

وعلاوة على ما سبق، فإن أسئلة كثيرة تطرح حول احتمالات انتخابات مبكرة، قد يضطر حزب «العدالة والتنمية» الى خوضها للمرة الأولى منذ تسلمه السلطة، مناقضاً بذلك خطابه السابق الرافض لأي انتخابات تجرى قبل انتهاء الولاية القانونية. فذلك، بحسبه، تراجع عن المسؤوليات الموكلة، وتنازل عن مدة شرعية في السلطة. ولكن في المقابل، ما قد يدفع الى خيار من هذا النوع، هو صوت ينادي حقيقة بالإصلاحات ولا يمكنه أن ينتظر الانتخابات العامة في 2019. فهؤلاء الذين سيصوتون بـ «نعم»، وهم على قناعة تامة بأن تركيا في أمسّ الحاجة لهذا التغيير، كيف يحرمونها منه سنتين اضافيتين لا أحد يعلم ما قد يحدث خلالهما؟

وعليه، فإن «حزب العدالة والتنمية» في موقع صعب للغاية، لأنه لا يترتب عليه الفوز في الاستفتاء فحسب، بل أيضاً الفوز بنسب أصوات كثيرة وعالية تضمن «الاستقرار والتنمية» لسنوات كثيرة مقبلة.


الأكثر قراءة في
المزيد من