بعيداً عن العنصرية يطيب لي تتبع تلك العشيرة التي تسكن دير الزور في شرق سورية وتسمى بالشعيطات، لا سيما بعد أن أعلنت رجوعها في مبايعة «داعش» بعد 20 يوماً فقط، ثم شنت حرباً ضد تنظيم «داعش» الإرهابي إثر قتله لثلاثة من أبناء القبيلة بجز...

«داعش» ضيف «العقيدات» الثقيل

عبير الفوزان |

بعيداً عن العنصرية يطيب لي تتبع تلك العشيرة التي تسكن دير الزور في شرق سورية وتسمى بالشعيطات، لا سيما بعد أن أعلنت رجوعها في مبايعة «داعش» بعد 20 يوماً فقط، ثم شنت حرباً ضد تنظيم «داعش» الإرهابي إثر قتله لثلاثة من أبناء القبيلة بجز رؤوسهم، لأنهم امتنعوا عن تسليم سلاحهم للتنظيم.

عندما لا تعرف «سلوم القبايل» لا «توطوط» بين بيوتاتها، لأنك لن تعرف ردود فعلها. وعندما يجتمع المرتزقة أياً كان تنظيمهم أمام القبيلة لسلبها كرامتها وأبنائها هنا ستتبخر المواثيق كلها ويظهر الخائن من خان عشيرته ووطنه، أما خزعبلات مهاجرين ودولة وخلافة وثورة ضد رئيس، فإنها عملات لا تُصرف في سوق العشائر وستذهب أدراج الرياح مع أول نزاع حول الدم والأرض والكرامة.

الشعيطات عشيرة من قبيلة العقيدات التي تنسب إلى أرض عقدة في حائل، هاجر جدهم الأول إلى الشمال وعلى ضفاف الفرات بنو بلداتهم. فهم أحفاد علي سالم الصهيبي الذي أنجبته والدته في «عقدة» بعد أن مضى والده متجها شمالاً، قبلاً، مخيراً زوجته الحامل (ابنة عمه) بين المضي معه أو البقاء في عقده، وبما أنها فضلت البقاء عند أهلها أعطاها رمحاً وطلب منها إن أنجبت مولوداً ذكراً أن تسميه علي وتنقش اسمه على الرمح. وبما أن الابن سر أبيه فما أن شب الفتى حتى ارتحل هو الآخر مع جماعته ورمحه إلى الشمال، وعلى الفرات تكونت قبيلة العقيدات بين سورية والعراق.

عندما تسمع تلك اللهجة البدوية الهجين بين عراقية وسورية وقريبة من بدو نجد ويطلب منك أن تخمن أية جنسية يحمل صاحبها فتارة تقول عراقي، سعودي، فيضحك قائلاً: لا، ما حزرت أنا سوري من العقيدات. مع العقيدات وعشائرها تستحضر قصص المسلسلات البدوية التي كانت مادة دسمة، ومتابعة من الجمهور السعودي في زمن الطيبين، إذ إن النخوة والبطولة والكرم والشجاعة ليست من بنات أفكار المؤلف أو المخرج، بل هي حقيقتهم.

فالغرباء الطارقون بلداتهم مرحب بهم فالضيف هو ضيف الرحمن كما يرددون. قصص الشعيطات مع ضيوفهم أحاديث تروى، إلى أن دخل «داعش» بلداتهم طمعاً في آبار نفطهم، ثم تداعت الأحداث من مبايعة إلى قتال شرس بين الطرفين: الشعيطات، و«داعش». من المنطق الإنساني أن يكون تعاطفنا مع أهل البلدات وليس مع الدخلاء الغزاة، مع من بُغي عليهم، وليس مع البغاة الذين مهما ادّعوا من قول أو فعل تظل حقيقتهم مواربة لا يعرفها إلا من تقصى، أما تعاطفي على الصعيد الشخصي فكان مع تلك العجوز الشعيطية التي عصبت رأسها وتحزمت بطرف ثوبها وعلقت سلاحاً رشاشاً على كتفها وقالت لن أخرج من أرضي ولن أخلع عشيرتي مهما كلف الأمر. إن تلك العجوز التي تجاوزت الـ70 كافرة بحسب القرار الداعشي الذي كفّر العشيرة بأسرها بعد أن دمرت «العشيرة» مقراتهم وطردتهم من بلداتها. فأنت إذا دافعت عن وطنك كافر، وإذا نصرت أخاك كافر، وإذا انتصرت لكرامتك كافر حتى لو شهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قولاً واعتقاداً. باختصار أنت كافر ما لم تمنحهم ما يريدون وعلى طبق من ذهب، لاسيما وطنك الذي هو ملاذك سواء أكان فيه ناطحة سحاب أم خيمة، فما بالك لو كان فيه آبار نفط! كم ستكون كرامة الشعيطات ممرغة بالوحل، وكم سيُهان تاريخ جدهم المحفور اسمه على رمح وهو لا يزال في المهد عندما يأتي مرتزقة لا يُعرف لهم أصل ولا منطق ويرتدون الزي الأفغاني ليسلبوهم أرضهم وفراتهم وآبارهم وأبناءهم وكرامة قبيلتهم.

كان الدواعش ضيفاً ثقيلاً تقبله الشعيطات على مضض ظناً منهم أنه «ضيف الرحمن»، لكن عندما جز رؤوس أبنائهم انتفضوا في وجهه، فهو لم يعد ذلك الضيف المرحب به، بل أصبح في عرفهم «ضيف الشيطان» الذي لا بد لهم من طرده.

 

Abeerfoz@


الأكثر قراءة في تلفزيون
المزيد من تلفزيون