نظرة من مسافة على ما يحصل في الإقليم يمكن أن تكشف أثر التصدعات التي أحدثتها الحروب الأهلية التي شهدتها دول المشرق في السنوات العشر الأخيرة، وأثر «الهزائم» التي أصابت جماعات، والانتصارات التي حققتها جماعات أخرى.والحال أن الجماعات...

إنها حرب أهلية واحدة... ومستمرة

حازم الامين |

نظرة من مسافة على ما يحصل في الإقليم يمكن أن تكشف أثر التصدعات التي أحدثتها الحروب الأهلية التي شهدتها دول المشرق في السنوات العشر الأخيرة، وأثر «الهزائم» التي أصابت جماعات، والانتصارات التي حققتها جماعات أخرى.

والحال أن الجماعات «المهزومة» ليست وحدها من يتخبط بهزائمه، فالجماعات «المنتصرة» أيضاً تتخبط بانتصاراتها، فهي لم تجد طريقاً لتتويج هذه الانتصارات إلا مضيها إلى مزيد من الحروب التي لا أفق لها سوى توليد المآسي.

العراق على أبواب انتخابات، وكذلك لبنان، فيما سورية تشهد انعطافة في مواقع القوى الإقليمية فيها، تتمثل في بداية نزاعٍ تركي أميركي عنوانه الأكراد. وفي المحطات الثلاث لا أثر كبيراً لدور الجماعات السنية المحلية.

الاستحقاق العراقي هو استحقاق شيعي بالدرجة الأولى، ذاك أن المنافسة الفعلية ستكون على موقع رئاسة الحكومة، وهو موقع شيعي، وهو استحقاق كردي بالدرجة الثانية، ففيه سيختبر الأكراد موقعهم بعد صفعة الاستفتاء وما جره على إقليمهم من تداعيات. وهو بالدرجة الثالثة استحقاق سني، وفيه تندرج الجماعات السنية في تحالفات أوسع لا يبدو أن ثمة مكاناً فيها للمآسي التي جرتها لحروب على هذه الجماعة وعلى مدنها وأهلها.

في سورية، لا يبدو أن للجماعات الأهلية السنية، وهي تشكل غالبية السوريين، قدرة على التأثير في النزاع المستجد بين أنقرة وأكراد سورية، على رغم أنهم جزء من ماكينة هذا النزاع. الأكراد يطمحون لتشكيل إقليمهم أو فيدراليتهم، والأتراك بصدد قطع الطريق عليهم عبر حرب في عفرين، أو عبر تشكيل فصائل عربية مناوئة لهم. لكن عناوين النزاع لا تتصل بمستقبل الجماعات العربية وبدورها في سورية. وما يشهده الشمال السوري اليوم هو نزاع تركي كردي في حاضنة عربية سنية يقتصر تأثيرها فيه على فصائل تقاتل إلى جانب الأتراك وضمن مشروعهم، وفصائل أخرى تقاتل ضمن «قوات سورية الديموقراطية» التي يقودها الأكراد. الأميركيون سارعوا إلى احتضان الأكراد، وأنقرة تبحث عن توافق مع موسكو على دورها في سورية وقد تدفع أثماناً لهم عبر نفوذها في إدلب. ولا أثر في هذه المنازعات لهموم تتصل بمستقبل الجماعة السنية السورية.

لبنان أيضاً ليس بعيداً في استحقاقاته عن مشهد تصدع موقع الجماعة السنية في الإقليم، على رغم أن الصدع فيه لا يرقى إلى مستوى التهميش الذي أصاب الجماعتين العراقية والسورية. رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري عاد واندرج في سياق تسوية تنطوي على قبول بالهزيمة، لكنه قبول لا يلغي موقع جماعته في المعادلة اللبنانية. وبهذا المعنى، ثمة قبول بتصدر حزب الله الموقع الأول في السلطة، على أن يقتصر هذا التصدر على الوظيفة الإقليمية للحزب، وأن يتولى لبنان رفد هذه المهمة وتغطيتها مع حدٍ أدنى من الارتدادات الداخلية.

هذا التناول البارد لمشهد الحرب الأهلية في الإقليم لا يفضي إلى استنتاج بأن هذه الحرب، أو هذه الحروب، في طريقها إلى الانحسار مع تكشف شكل «الانتصارات» التي حققتها جماعات أهلية على جماعاتٍ أخرى. فاعتبار أننا نعيش حرباً أهلية واحدة في هذه الدول، يفضي إلى أن الهزيمة أصابت الجماعة الأكبر فيها، من دون أن نجد أثراً لمن يبحث عن مداراة الهزيمة بتسويات تُدرجها في مشاريع لامتصاص تبعاتها وارتداداتها. المهزوم تم إلغاؤه من طموحات المنتصرين بالكامل وإلحاقه بها. لبنان قد يشكل استثناء طفيفاً على هذا الصعيد، على رغم أن الجماعة السنية فيه تشعر بأن ما أصاب أقرانها في الإقليم أصابها هي أيضاً.

المطمئنون إلى أن هذه الحرب وصلت إلى خواتيمها، وهم اليوم يستعدون للاستثمار في نتائجها، عليهم أن يلاحظوا الخلل الهائل الذي أحدثته. فقد تم تدمير بنى سياسية وأهلية ومدن وأرياف، واليوم يجري التعامل مع هذا الزلزال بصفته حقيقة يمكن أن يُبنى عليها مستقبل. وفي هذا الوقت، يظهر متغير صغير يعيد عقارب ساعة الحرب إلى ما قبل هذه الانتصارات. ففي العراق اكتشفت إيران أن تشكيلها ائتلافاً شيعياً يضم أطراف الطائفة الحاكمة أمر شبه مستحيل، وأن الأميركيين الذين كان لهم الدور الأكبر في الحرب على «داعش»، لا يقتصر حضورهم على خبراء يساعدون الجيش في الحرب، فها هم يُمهدون لحيدر العبادي طريقاً يفضي إلى فوز كتلة برلمانية تكون فيها طهران شريكة لكنها ليست آمرة ناهية.

أما في سورية، فغارة من طائرات مجهولة على قاعدة روسية تُذكر الجميع بهشاشة مواقعهم في ذلك البلد. وتصعيد واشنطن تصريحاتها حيال النظام في دمشق يعيد التذكير بصعوبة أن يُعلن نصر على رأسه بشار الأسد. وفي لبنان وعلى رغم تصدر حزب الله المشهد السياسي والأمني، فإن هــضم دور الـــحزب واستيعابه في ماكينة الحياة العامة لا يبدو مهمة سهلة، في ظل طوائف تملك حساسيات كبيرة حيال نموذجه وخياراته. وأي متغير إقليمي ودولي يمكنه أن يستثمر في هذه الحـــساسية ويـــدفعها إلى التــصدي لموقع الحزب غير المتين في التجربة اللبنانية.

في ضوء هذه الارتجاجات وهذه الهشاشة يمكن القول إن «النصر» ليس نصراً، على رغم أن الهزيمة هي فعلاً هزيمة. فالوهم الإيراني المتمثل في شق طريق مذهبي من الحدود مع العراق إلى لبنان مروراً بسورية، تحقق منه جانبه العملي والواقعي، لكن على طرفي هذه الطريق تقيم مأساة يمكن لأي راغب أن يستثمر فيها. فإذا قرر الأميركيون مثلاً شكل مواجهتهم مع طهران، فسيكون بين أيديهم مأساة أحدثها الإيرانيون على ضفتي هلالهم المستحدث، وإذا ما توهم الروس بأنهم اللاعب الوحيد فطائرة من دون طيار تذكرهم بأن نصرهم تحقق لأن واشنطن لم تُسلح خصومهم، وأن تصريحاً من وزير الخارجية الأميركي يمكن أن يطيح بطموحاتهم في إبقاء بشار الأسد رئيساً لسورية.

الاندفاعة الأميركية الجديدة لا تعني حتى الآن أن المشهد في سورية سينقلب على متصدريه، لكنها تذكّر بأن قلب المعادلة في ظل ما أفضت إليه حملة التحالف الروسي- الإيراني أمر ممكن وغير صعب، وهذا طبعاً بفضل الخلل الكبير الذي أحدثه «الانتصار»، وبفضل عدم اكتراث المنتصرين بحقائق ثقيلة من نوع أن المنتصر في حرب أهلية يجب أن يداري غطرسته بقدر من التسويات الصغرى. وهذا ما لم تقدم عليه طهران، وهذا ما سيسهل مهمة واشنطن إذا ما رغبت في المواجهة.


الأكثر قراءة في
المزيد من