لم يكن مفاجئاً أن ينسج بعض الإعلام الإيراني سيناريوات وخرافات، لدى مبايعة السعوديين الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد. والأكيد أن سلوكاً من هذا النوع لا يراعي المشاعر الوطنية لدى كل شعب، لن يجدي إلا في تكريس الخصومة مع "ثورة" نصّبت نفسها...

الإعلام الميليشيا

زهير قصيباتي |

لم يكن مفاجئاً أن ينسج بعض الإعلام الإيراني سيناريوات وخرافات، لدى مبايعة السعوديين الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد. والأكيد أن سلوكاً من هذا النوع لا يراعي المشاعر الوطنية لدى كل شعب، لن يجدي إلا في تكريس الخصومة مع "ثورة" نصّبت نفسها ناطقاً باسم الإسلام، لكنها تتجاهل سيادات دول، وتنتهك حدوداً، ولا تنصف شعوباً.

هي كذلك منذ سُجِّل ضد مجهول الترويج لـ "الإرهاب السنّي"، فيما الإرهاب بلا هوية، وهي كذلك منذ اعتبرت التفاوض مع الأميركي حقاً لها وحدها، وإن لم تتذكر أن "الشيطان" بات شريكاً لها في الاتفاق النووي.

وليس جديداً كلما أطل قاسم سليماني على حدود عربية، أن تعتبر الجارة إيران أنها تسجّل "انتصاراً" آخر على طريق تصدير ثورتها التي تعاطفت معها شعوب في المنطقة لدى انطلاقتها، إلى أن بات "الانتصار" خراباً ووبالاً على العرب. أليس هذا ما حصل في سورية والعراق؟ أليس الدمار الشامل في بقاع شاسعة من عالمنا واحداً من معالم تصدير "ثورة" إيران التي تأبى مأسسة الدولة، فتسعى إلى النفخ في عضلات ميليشيات جوّالة، تأمرها فتطيع... لتنفيذ استراتيجية ظاهرها "الدفاع" عن قضايا المسلمين، لكنها تقودهم إلى الخراب؟

ولكن، لماذا استعداء طهران؟ فلنسأل أولاً هل نشر قوات إيرانية حول دمشق، ضمن صفقات دولية، كفيل بـ "حماية" العاصمة السورية، أم بتبديل هويتها، وخنق "الحزام الشيعي" أي أمل بإعادة توحيد سورية؟

فلنسأل كذلك، ماذا تفعل إيران غير إبداء "النصيحة"، لتعفينا من معاناة ومآسٍ، كما جنّبت أهل غزة العيش مع أنفاقها، وفي مخيمات البؤس، إذ نصحت "حماس" بـ "التعقّل" عام 2014 وإحصاء الشهداء.

وماذا تفعل إيران غير تعزيز ترسانة "حزب الله" الصاروخية لمدّ نفوذها إلى شواطئ المتوسط، فيما توهم لبنانيين بالدفاع عن سيادة بلدهم، المهدّد دائماً بحرب لا تُبقي ولا تذر. ماذا فعلت عام 2006 سوى التحريض على حرب منحت إسرائيل "منطقة آمنة" عازلة في الجنوب اللبناني، للمرة الأولى، وبرعاية دولية؟

فلنسأل، أي غَيْرة هذه من المرشد على استقرار العراق، إذ لا يراه ممكناً إذا مسّت "الحشد الشعبي" الشيعي عوارض أنفلونزا؟

أي غَيْرة من "إيران الثورة" على مصالح العالم الإسلامي، حين تجرّب ترداد دعوتها إلى "حماية" الأماكن الدينية المقدّسة في مكة المكرّمة، كلما نُفِّذ عمل إرهابي هناك، ستبقى أهدافه مريبة؟

في "يوم القدس"، رُفِعت مجدداً في شوارع طهران شعارات "محو إسرائيل"، التي أصرّ عليها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، لكنه لم يُفلح، فيما نحن أمام محاولات لمحو دول وحدود عربية.

ولأنها "ثورة" ترفض التعامل بمنطق الدول، لا تعترف إيران بمقتضيات السياسة، ومثلما تمويلها جماعات وميليشيات وتسليحها في ما يُسمّى "الهلال الشيعي" باتا من الأدوات الأولى لنهج طهران، لا تتوانى أدواتها الإعلامية عن التدخُّل في كل شأن داخلي للدول العربية... ومع كل ذلك، لا أحد يعلم ما الذي يخوّل "الجمهورية الإسلامية" منح نفسها حقوق الوصاية على العرب والمسلمين، إلا إذا استثنينا مبدأ كون هذه الجمهورية، ما زالت تحاول إقناع الإيرانيين بأنها "الأنظف والأطهر" والأكثر حرصاً على الإسلام من العرب!

وحكاية الإعلام الإيراني غير الرسمي - لكأن طهران تسمح به - تحوِّله إحدى الميليشيات التي أجادت القفز فوق الحدود. وهو قفز فوق كل الأعراف والتقاليد في العلاقات بين الدول، ليمنحها أيضاً شهادات في "حسن السلوك"... والغريب أن يكون الأمر حكراً على العرب.

مَنْ يذكر مرة أن دولة عربية واحدة تدخّلت في الانتخابات الإيرانية، أو انحازت إلى نجاد أو حسن روحاني، أو ندّدت بفرض إقامة جبرية على زعماء معارضين للولي الفقيه؟

هل نذكر أن مصر أو الجزائر أو موريتانيا، أو أي دولة في الخليج العربي ادّعت حرصاً على حقوق السنّة في إيران، أو طالبت بإنصافهم؟

معضلة "إيران الثورة" في برنامجها، كما في ميليشياتها وبعض إعلامها الذي يروّج لنهج الأذرع الطويلة.


الأكثر قراءة في شباب
المزيد من شباب