قد تتنفس شعوب المخيمات في المنطقة العربية آملةً بأن تكون مرحلة ما بعد تبخُّر «خلافة البغدادي»، بداية العدّ العكسي لانتزاع الخيم، بعدما انكفأ «داعش» وانتحاريوه... لكن الأكيد أن مسرح الحروب مع الإرهاب لم يسدل الستارة على الفصل الأخير من...

شعوب المخيمات و «امبراطورية الحرس»

زهير قصيباتي |

قد تتنفس شعوب المخيمات في المنطقة العربية آملةً بأن تكون مرحلة ما بعد تبخُّر «خلافة البغدادي»، بداية العدّ العكسي لانتزاع الخيم، بعدما انكفأ «داعش» وانتحاريوه... لكن الأكيد أن مسرح الحروب مع الإرهاب لم يسدل الستارة على الفصل الأخير من المذبحة.

شوط طويل ما زال على العراقيين استكماله، قبل عودة بلادهم إلى خريطة الدول العربية المؤثرة... شوط أطول على السوريين أن يتعايشوا معه تحت «وصاية» القيصر الروسي الذي عرف كيف تؤكل كتف الفراغ الأميركي، فشيّد قواعد عسكرية في سورية، ووسّع أخرى تمهيداً لإقامة طويلة، على ضفاف البحر المتوسط.

لم يعد القيصر فلاديمير بوتين مجرد ضيف عابر، رغم ذلك المشكلة أكثر تعقيداً من خداع الذات لأن «ليس بالإمكان أحسن مما كان». المشكلة أن بين حلفاء الروس وشركائهم مَن لا يزال يحلم بأن «الفراغ» يحتمل القسمة على «الإمبراطوريات الصاعدة». وأما المعضلة فربما يجسّدها غياب أي أفق يُمَكّن من تحديد عمر الانسحاب الأميركي.

الجميع ينتصر على «داعش»، لكن شعوب المخيمات ما زالت مهزومة... يتيمة في غياب القدرة على استعادة الإقليم من مشاريع «الإمبراطوريات» التي تبدو متخاصمة متنافسة، ومتقاتلة أحياناً، لكنها في المحطة الأخيرة متواطئة على رقابنا.

حين يحاربون الإرهاب، نحن «إرهابيون». حين يرفضون الإسلاموفوبيا، نحن في قفص الاتهام لأننا «لا نفعل ما يكفي» لوقف حملات الطعن والدهس في شرق أوروبا وغربها، وفي روسيا وأميركا.

هُزِمت «خلافة البغدادي»، لكننا لم ننتصر. بعد فلسطين، أكثر من فلسطين تجسّد نكبتها مآسي السوريين، شعوب المخيمات باتت من معالم المنطقة. العراق ما زال على خط النار، عدم التصدّي لاستفتاء الأكراد على الانفصال أزمة كبرى لبغداد، وصدّه يطلق شرارة حرب.

وحدهما القيصر بوتين والمرشد علي خامنئي يمكنهما ادعاء «نصر» لروسيا الكبرى وإيران «الإمبراطورية»، على رغم تباينات ليس أقلها عدم هضم معدة الكرملين كل أدوار الميليشيات الإيرانية في سورية. وإذ يبدو بوتين مفوّضاً بورقة أميركية لإدارة الصراع في سورية وعليها، لا يكتسب تحرُّك طهران شرعية دولية، رغم كل الضجيج حول «محاربة الإرهابيين والتكفيريين»، وحماية المقامات الدينية. وليست مجرد استنتاج حقيقة أن التدخّل الإيراني ألحقَ أفدح الأضرار بالثورة السورية، قبل أن يدفن تواطؤ «الكبار» أي أمل للمعارضة بإسقاط النظام.

قتلُ الأبرياء إرهاب، ماذا عن اغتيال وحدة دول ومجتمعات وطوائف ومذاهب؟... ومصادرة سيادات وحدود وخرائط بذريعة مطاردة الإرهابيين وقتالهم حيث هم؟

تاريخ شعوب المخيمات مع الثورة الإيرانية، لا يراكم سوى الخيبات والالتباسات، والعداوات، رغم كل ما يوحي به حلفاء المرشد وراء الحدود. وإذا كان بعضهم لا ينتظر جواباً عن السؤال «متى ينفجر الصراع بين النجف وقم»، لأن العراق استثناء، ماذا عن الدور الإيراني في البحرين، ولبنان وغزة؟ أي دور لطهران هناك لم ينجب حروباً واضطرابات؟

ليس نبأً سعيداً لأهل غزة المنكوبين بالجوع والحصار، تمتين «حماس» علاقتها مع إيران التي تزوّدها سلاحاً ومالاً. ليس خبراً عابراً تشاؤم الأميركي بـ «غيوم ملبّدة بالحرب» في جنوب لبنان. المرشحون ضحايا لأي حرب يرصّ بها اليمين الإسرائيلي صفوفه، هم مرة أخرى من شعوب المخيمات، أو المقاومات التي تحرّضها جمهورية المرشد، ويستدرجها الليكود إلى مقصلة مجانية... ودائماً بدماء عربية.

الأكيد في سجل علاقات الجوار بين إيران والمنطقة العربية، أن «إمبراطورية الحرس الثوري» التي راهنت على تفتيت اليمن إذا تعذّر ابتلاعه بفم حوثي، استقوت بأزمة قطر لعلها تشرذم وحدة مجلس التعاون الخليجي. وإن سألتَ في الخليج عمّا يحول دون صفحة جديدة مع طهران، يسألونك كيف يستقيم حوار مع مَنْ لا يرون تصحيحاً لاختلالات العالم إلا بأوامر من المرشد؟!

الإمارات آخر حلقة استهدفتها «لغة الجار» الإيراني، فيما تتراكم مؤشرات إلى مزيد من التصعيد تُقدِم عليه طهران مع إدارة ترامب في الملف «النووي»، لكنها تحضّر لمواجهة في مسرح آخر.


الأكثر قراءة في شباب
المزيد من شباب