كان السؤال حين أصدر جمال الغيطاني هذا الكتاب، لماذا تأخر كاتب القاهرة الكبير هذا في وضع تاريخه الخاص للمدينة، هو الذي لم يكتب في أغلب أعماله، روائية كانت أو وجدانية أو توثيقية سوى عنها، وكأنها معشوقة نادرة لا بد لحبيبها من أن يعاملها...

«ملامح القاهرة في ألف سنة» للغيطاني: كتاب المدينة

ابراهيم العريس |

كان السؤال حين أصدر جمال الغيطاني هذا الكتاب، لماذا تأخر كاتب القاهرة الكبير هذا في وضع تاريخه الخاص للمدينة، هو الذي لم يكتب في أغلب أعماله، روائية كانت أو وجدانية أو توثيقية سوى عنها، وكأنها معشوقة نادرة لا بد لحبيبها من أن يعاملها بكل رقة ودلال غير آبه بأن يكشف سرّ غرامه للآخرين. المهم، على أي حال، هو أن الغيطاني أصدر هذا الكتاب في نهاية الأمر ليقدّم فيه، أو ليلخّص فيه بالأحرى، ما كان سبق أن حكاه عن القاهرة هو الذي، كتابةً أو مشافهةً خلال تجوالاتنا معه في أزقة القاهرة وزواياها، لم يكف عن توريطنا في حجب هذه المدينة ولا سيما حين كان يأخذنا في تلك الجولة التي أسميناها معاً، جولة نجيب محفوظ حيث كان يتنقل بنا من حارة الى حارة ومن درب الى درب رابطاً كل مكان نزوره بفصل من رواية محفوظية...

> هذه «القاهرة» هي التي كان يحلو للغيطاني أن يغوص فيها، غير آبه بـ «المهندسين ولا بـ «الجديدة» ولا حتى بـ «العجوزة» أو «المعادي» عالمه هو مصر القديمة تلك التي يعرف مقاهيها وحوانيتها وحواريها وأزقتها واحداً واحداً «بقبتها الزرقاء الصافية وأشعة شمسها الذهبية المرسلة تتعانق فيها المآذن والمساجد، تلك التي لم يرها أحد إلا ووقع في هواها». هذه «القاهرة» إذاً، هي التي يحكيها لنا الغيطاني في هذا الكتاب الذي يكاد يكون وصية وحكاية عشق وتاريخاً، فكيف يمكننا التعاطي مع كتاب من هذا النوع؟ كيف يمكننا سبر مدينة من هذا الطراز؟ هما سؤالان ليس من السهل الإجابة عنهما حتى ولو بحّرنا كما فعل الغيطاني دائماً في تراث ابن أياس والجبرتي وغيرهما من مئات المؤرخين/ العاشقين الذين كتبوا القاهرة وتاريخها. ومع هذا لا بد من المحاولة هنا، ودائماً ضمن روحية ما يكتبه الغيطاني.

> نعرف طبعاً أن الفاتحين المسلمين حين دخلوا البلدان الكثيرة، بعد انطلاقتهم من الجزيرة العربية، بنوا الكثير من الدساكر والمدن. ولعل الكوفة جنوبي العراق واحد من أهم الأمثلة على ذلك الحس المديني الذي راح يخيم على فاتحين أتوا من عمق الصحراء، لدى احتكاكهم بالحضارات المدينية المجاورة. غير أن الواقع التاريخي يقول لنا إن معظم تلك المدن والمواضع انما بني كامتداد للحملة العسكرية، ولم يبن أصلاً كموقع مديني. لاحقاً تحول الموقع العسكري الى مدينة. وحدها القاهرة تنفرد بين المدن كافة التي بناها المسلمون بكونها بنيت أصلاً كمدينة، غايتها أن تكون عاصمة ملك ومركزاً حضارياً عمرانياً، تشاركها في هذا بغداد التي أقامها العباسيون عاصمة لملكهم وللإمبراطورية الإسلامية الجديدة. والحال أن المقارنة بين بناء العباسيين بغداد وبناء الفاطميين القاهرة تبدو صارخة ومتعددة الوجه. لكن ما يهمنا هنا هو التوقف عند بناء القاهرة، الذي «أُنجز» بشكله الأولي قبل ألف عام ونيف، ذلك البناء الذي أوجد بالتدريج للإسلام، حاضرته الكبرى، وسيتبدى ذا طابع ثقافي حضاري أكثر منه ذا طابع عسكري وسياسي.

> صحيح أن القاهرة لم تُبن على فراغ. كانت هناك على الدوام مواقع عمرانية عند تلك المنطقة الواقعة عند رأس الدلتا، ومنذ أيام الفراعنة، غير أن الغريب هو تلك المسافة التي كان يُحافظ عليها دائماً بين مجرى نهر النيل ومناطق العمران: مسافة تُبقي على المنطقة الخصبة صالحة للزراعة وكأن الإيمان بأن دوراً للمدينة يمكنه أن يتجاوز الزراعة الى البعد التجاري والثقافي كان معدوماً في ذلك الحين.

> مهما يكن من الأمر، فإن القاهرة بنيت الى جوار الفسطاط، قبل أن تبتلعها. ودائماً كانت الفسطاط التي أقامها ونماها رجال عمرو بن العاص، مقدمة على القاهرة التي سوف يبنيها الفاطميون وعلى رأسهم المعز لدين الله. ومن هنا، تكشف لنا مراجعة الموسوعات الجغرافية العربية القديمة، من «معجم البلدان» الى «الروض المعطار»، وغيرها من المراجع والوثائق العديدة التي نعرف أن الغيطاني كان يعرفها عن ظهر قلب وكان يوثّقها إنما دائماً بنظرة نقدية، تكشف كيف أن تلك المراجع تفرد صفحات للفسطاط، قبل أن تمر بالقاهرة مرور الكرام. وحسبنا هنا أن ننقل الأسطر القليلة التي جاءت في «الروض المعطار» عن القاهرة: «هي قاعدة الملوك المصريين ودار ملكهم في البلاد المصرية، وهي مدينة محدثة من بناء العبيد بين الشيعة الذين كانوا بها، وبينها وبين مصر ثلاثة أيام، وهي مدينة كبيرة فيها من القصور والمباني ما يعجز الوصف عنه. وكان الحاكم بأمر الله منهم بنى بين الفسطاط والقاهرة مسجداً عظيماً على ثلاثة مشاهد كانت هناك، وجعل فيها سدته وخدمه يوقدون فيه السراج الليل كله...».

> غير أن مصير القاهرة على مر الزمن، وكما يؤكد الغيطاني بثقة، كان أفضل مما كان عليه حظها في تلك المراجع. فالمدينة سرعان ما التصقت بالفسطاط ثم تحددت حتى النيل، لتصبح على مدى العصور أكبر المدن الافريقية، ثم أكبر مدن عالم الإسلام. وهو أمر ساعد عليه موقعها، على رغم أن أحد أهم مؤرخيها وعلمائها ابو الحسن علي بن رضوان، لم يفته في بدايات تكونها أن يشنع على موقعها حين قال: إن بعدها من خط الاستواء ثلاثون درجة، والجبل المعظم في شرقيها، وبينها وبينه المقابر، وقد قال الأطباء إن أردأ المواضع ما كان الجبل في شرقيه يعوق ريح الصبا عنه. وأعظم أجزاء الفسطاط، يتابع ابن رضوان، في غور وقد بيّن بقراط أن المواضع المتسفلة أسخن من المواضع المرتفعة وأردأ هواء لاحتقان البخار فيها، لأن ما حولها من المواضع العالية يعوق تحليل الرياح لها...». والحقيقة أن العلماء والباحثين، منذ ابن رضوان حتى حسن فتحي لم يتوقفوا عن انتقاد موقع القاهرة لسوئه، بل إن حسن فتحي يأخذ عليها انتشارها بالنسبة الى محاذاتها للنيل حيث يرى أنها المدينة الوحيدة التي تبدو كرجل ملتوي العنق. إذاً، على رغم هذا الواقع، عرفت القاهرة كيف تتطور وتنمو، وتجتذب السكان، بحيث أضحت اليوم حاضرة العالم الإسلامي الحقيقية.

> إنه لمن الصعب إيجاد تفسير كامل لتلك العناصر التي جعلت القاهرة على الأهمية التي لها اليوم، والغيطاني لا يفعل هذا على أيّ حال، على رغم لا منطقية عمرانها. ولكن من الواضح أن العالم الإسلامي والعربي والأفريقي، كان في حاجة الى حاضرة، تكون من التوسط بحيث تؤمها أجناس الشعوب لتختلط فيها: الأفريقية والعربية، وأهل مصر الأصليون. والحقيقة أن التجاور بين هذه العناصر الثلاثة تم في القاهرة بشكل خلاق، لأنه لم ينتج تناحراً، كما كانت الحال لدى اختلاط شعوب متنوعة في موقع واحد، بل أنتج تلاقحاً ربما يدين واقع القاهرة له بما هو عليه. إذ منذ اللحظة التي دخل فيها جوهر الصقلي الفسطاط وشرع يبني أول مباني القاهرة، وحتى زمننا الراهن، مروراً بزمن الفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين ثم أبناء محمد علي والعصور الحديثة، لم تكف القاهرة عن الازدهار والتوسع، متحولة مع الزمن الى حاضرة دينية مدينة الألف مسجد والأزهر وثقافية إرث الحضارة الإسلامية بعد سقوط الأندلس ودمشق والقاهرة وحضارية وعلى الأقل منذ وصول العثمانيين، ثم مع حملة نابوليون، وإصلاحات محمد علي. وإذ نقول هذا لا ينبغي أن ننسى التأثيرات المتوسطية التي أتت عبر الإسكندرية، تلك المدينة التي كان من قدرها أن تحل القاهرة محلها عاصمة لمصر ومن ثم للإسلام ككل.

 

>في اختصار، يمكن القول إن تاريخ القاهرة، تلك المدينة التي بنيت في الإسلام، أكثر مما بنيت فيه أية مدينة أخرى، كان تاريخ تطور متواصل. ولعل من أهم خصائص هذا التطور هو أن الديني تواكب فيه مع الثقافي، والعمراني مع الحضاري واللغوي. ومن هنا لم يكن من الغريب والمفاجئ أن تصبح القاهرة، منذ أواسط القرن الفائت، العاصمة الثقافية في الشرق الأوسط وأفريقيا، خصوصاً أن التجانس المتنوع تمكن في نهاية الأمر من أن يخلق وحدة انصهارية خلاقة، حيث يمكن الحديث، عند ذكر القاهرة، عن مجتمع مديني عربي متكامل وصاهر. وفي ظل هذا الواقع، لم يكن غريباً أن تنمو في القاهرة وعنها، آداب وأقلام وأشعار، وأن تكون القاهرة نقطة انطلاق أية نهضة عربية في أي مجال كان. صحيح أن جوهر الصقلي لم يخطر هذا كله في باله حين بنى هذه المدينة، لكنه أسسه، وأسسه في شكل خلاق... يخرج عن أي منطق، ليبني منطقه الخاص.