منذ بداية الصراع في سورية وتزايد أعداد القتلى والجرحى والمشردين والمهجرين وخراب المدن والقرى في مختلف أنحاء البلاد، مني الاقتصاد السوري بتدهور ليس له مثيل في التاريخ المعاصر. وكان البنك الدولي قدر في تقرير صدر في الربيع الماضي انكماش...

ليس أمام السوريين سوى الاعتماد على أنفسهم

عامر_ذياب_التميمي |

منذ بداية الصراع في سورية وتزايد أعداد القتلى والجرحى والمشردين والمهجرين وخراب المدن والقرى في مختلف أنحاء البلاد، مني الاقتصاد السوري بتدهور ليس له مثيل في التاريخ المعاصر. وكان البنك الدولي قدر في تقرير صدر في الربيع الماضي انكماش الاقتصاد السوري خلال عام 2016 ككل بنحو ثمانية في المئة. وحتى لو انتهت الحرب المدمرة لن يتمكن هذا الاقتصاد من التعافي إلا بعد تأهيل البنية التحتية التي دمرت بدرجة كبيرة، وتأمين دعم للمتطلبات الاجتماعية.

يقارب عدد القتلى في الحرب 500 ألف قتيل وهناك نحو 1.5 مليون من الجرحى بالإضافة إلى 7.6 مليون نازح داخل سورية وخمسة ملايين لاجئ في بلدان مجاورة وغيرها خلال السنوات الخمس الماضية. وليس بالأمر الجديد أن نشير إلى دمار في منظومة الرعاية الصحية والنظام التعليمي. فهناك تقارير دولية موثوق بها تشير إلى أن دمار البنية التحتية يقدر بـ 75 بليون دولار، وتؤكد تقديرات الأمم المتحدة أن عملية إعادة تأهيل هذه البنية التحتية تتطلب ما يزيد على 180 بليون دولار كي تمكن إعادة الناتج المحلي الإجمالي في سورية إلى مستواه السابق للصراع.

تواجه الحكومة السورية عجزاً متنامياً في الموازنة العامة إذ ارتفع معدل العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي من 12 في المئة عام 2011 إلى نحو 20 في المئة في 2015. وانكمش الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 19 في المئة سنوياً منذ بداية الأزمة. وارتفع التضخم بنسبة 90 في المئة في 2013 ويقدر له أن يكون قفز بنسبة 30 في المئة عام 2016.

لا ريب في أن سورية فقدت كثيراً من إمكاناتها للتصدير وتراجعت إيرادات الصادرات بدرجة مهمة. كانت قيمة الصادرات 4.7 بليون دولار في عام 2011 لكنها لم تزد على 220 مليون دولار عام 2014، وهنا لا بد من التنويه بأن مكوناً مهماً من الصادرات تعطل، وهو الصادرات النفطية التي أصبحت تحت سيطرة عدد من الفئات المعادية للحكومة. هذا الانخفاض في إيرادات التجارة ضغط في شكل حاد على سعر صرف العملة الوطنية بعد تدهور الاحتياط من العملات الأجنبية من 20 بليون دولار نهاية عام 2010 إلى 700 مليون نهاية 2015. وقفز الدولار من 47 إلى 220 ليرة.

كيف يمكن لبلد مثل سورية أن ينتشل من هذا الدمار؟ لن يمكن انتشال سورية من الأوضاع المزرية اقتصادياً من دون توقف الحرب وأعمال العنف وتوافر حل سياسي شامل يؤكد تطوير النظام السياسي وينهي عهود الاستبداد والطغيان ويؤسس لحياة ديموقراطية ويمنح المواطنين الشعور بالعدالة الاجتماعية ويعزز دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية. ومعلوم أن السوريين عرفوا بقدراتهم المهنية ونزعتهم نحو المبادرة وبناء الأعمال الخاصة وتطويرها. وهم مارسوا النشاط الاقتصادي الحر ليس في بلدهم فقط بل أيضاً في البلدان التي هاجروا لها سواء في الأميركيتين أو بلدان الخليج العربي أو البلدان الأفريقية حيث أبدعوا في أنشطة اقتصادية عديدة.

وعلى رغم من التطورات غير المواتية التي تعرض لها الاقتصاد السوري منذ 1958، عام الوحدة مع مصر، وتأميم العديد من المنشآت الاقتصادية الخاصة وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، فإن رجال الأعمال في سورية وجدوا منافذ عديدة في القطاعات الاقتصادية المتنوعة في البلاد ليؤكدوا حضورهم الفعال، وكان ذلك في قطاعات مثل السياحة والعقارات والصناعات التحويلية والتوزيع السلعي. يضاف إلى ذلك أن العديد من الأثرياء ورجال الأعمال السوريين وظفوا أموالاً كبيرة خارج البلاد، خصوصاً في لبنان وعدد من بلدان الخليج وتمكنوا من تحقيق ثروات مهمة. ويقدر أن كثراً من هؤلاء الأثرياء تمكنوا من الرحيل بثرواتهم إلى خارج حدود سورية بعد بداية الحرب عام 2011.

قدر الناتج المحلي الإجمالي في سورية بـ 74 بليون دولار عام 2012، لكن تحت وطأة معدل الانكماش السنوي الكبير، قد لا يزيد الناتج المحلي الإجمالي الآن على 35 بليون دولار. وكان الاقتصاد السوري يعتمد على نشاط قطاعات أساسية إذ ساهم القطاع الزراعي بنسبة 17 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي عام 2011، وساهمت قطاعات الصناعات التحويلية بنسبة 27.5 في المئة وقطاع الخدمات بنسبة 55 في المئة. والآن هناك تعطل شامل أو جزئي للمنشآت في مختلف هذه القطاعات.

كذلك توقفت التعاملات مع الأسواق التصديرية، وأهمها العراق والسعودية والكويت والإمارات. هذه الأوضاع الاقتصادية المتأثرة بدمار الحرب أوجدت مشكلات معيشية معقدة للمواطنين السوريين فارتفعت معدلات البطالة والفقر إلى درجات قياسية. ويقدر عدد سكان سورية بـ 18.5 مليون شخص، لكن الحرب أبعدت كثراً من المواطنين إلى خارج البلاد ودفعت آخرين إلى الهجرة داخلها. وقبل الصراع أقام معظم السوريين في المناطق الحضرية وبنسبة تقارب 70 في المئة من السكان وتمتع كثر منهم بمستويات تعليمية وقدرات مهنية مقبولة. وهكذا لا مراهنة، بعد وضع حد لهذا الصراع المدمر، سوى على الشعب السوري لإعادة صياغة الحياة والارتقاء بالأوضاع الاقتصادية وتعويض الخراب الذي لحق بالبلاد.


الأكثر قراءة في أفكار
المزيد من أفكار