ظلت الإدارة المصرية ترفض توجيهات ونصائح صندوق النقد الدولي الداعية إلى تحرير سعر صرف الجنية المصري بعد تطور العلاقات بين الطرفين في عهد الرئيس الراحل أنور السادات في بداية سبعينيات القرن الماضي. وسعت الإدارة المصرية للحفاظ على سعر صرف...

تعويم الجنيه المصري بدأ يعطي ثماراً

عامر_ذياب_التميمي |

ظلت الإدارة المصرية ترفض توجيهات ونصائح صندوق النقد الدولي الداعية إلى تحرير سعر صرف الجنية المصري بعد تطور العلاقات بين الطرفين في عهد الرئيس الراحل أنور السادات في بداية سبعينيات القرن الماضي. وسعت الإدارة المصرية للحفاظ على سعر صرف مرتفع للجنيه قياساً بالدولار والعملات الأجنبية الرئيسة على رغم من التبعات الاقتصادية، ومنها ما يتمثل بارتفاع أسعار السلع والبضائع المصرية المصدرة إلى الخارج وضعف قدرتها التنافسية في السواق التصديرية. كما أن دعم سعر صرف الجنيه اعتباطياً يعني تخصيص أموال مهمة من أرصدة العملات الأجنبية لدى البنك المركزي للدعم على حساب احتياجات متطلبات الاستيراد واحتياجات مجتمع الأعمال في البلاد.

أدى ذلك الموقف الرافض للتعويم إلى قيام سوق سوداء للتعامل بالعملة نظراً إلى عدم قدرة النظام المصرفي على تلبية طلب المستوردين وأصحاب الأعمال والمستثمرين من العملات الحرة. وبطبيعة الحال، ظل هناك فرق مهم بين السعر المحدد رسمياً وبين السعر المتداول في تلك السوق السوداء. وعلى رغم المعالجات التي جرت في عهدي السادات والرئيس حسني مبارك والهادفة إلى القضاء على دور السوق السوداء، فإن الإصلاحات الاقتصادية التي أنجزت لم تتمكن من تطويع سعر الصرف في شكل يمكن من التوازن بين العرض والطلب.

عندما قرر البنك المركزي تحرير سعر صرف الجنيه أو تعويمه في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، فقد جاء ذلك بناء على شروط وضعها صندوق النقد الدولي كي تتمكن مصر من الحصول على قرض قيمته 12 بليون دولار على مدى ثلاث سنوات. وقوبل ذلك القرار بترحيب لدى الأوساط ذات الصلة بالأعمال والاستثمار لكن بمخاوف من فئات عريضة من أن يؤدي التعويم إلى ارتفاع أسعار السلع والمواد الأساسية، خصوصاً أن مصر تظل مستوردة صافية للمواد الغذائية.

ومعلوم أن الاقتصاد المصري ظل عاجزاً عن تحقيق التدفقات المطلوبة من العملات الأجنبية بعد ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011 حيث تراجعت أعداد السياح، الذين يمثلون مصدراً مهماً لمداخيل البلاد من النقد الأجنبي. وتراجعت تحويلات العاملين في الخارج بفعل تباطؤ اقتصادات البلدان التي يعملون فيها، ناهيك عن أثار الركود الاقتصادي العالمي على حركة التجارة العالمية ومن ثم على إيرادات قناة السويس.

بيد أن قرار التعويم يبدو أنه عزز الثقة في الاقتصاد المصري لدى المستثمرين الأجانب وحفز العاملين في الخارج على زيادة التحويلات بعدما أصبحت تمثل قيم أكبر وهي مقومة بالجنيه المصري. وارتفع سعر صرف الدولار في مقابل الجنيه من ثمانية جنيهات قبل التعويم إلى ما يقارب 20 جنيهاً قبل أسابيع قليلة. لكن سعر الصرف للجنيه أخذ يتحسن ليسجل أخيراً 18 جنيهاً للدولار.

تشير تقارير مصرفية إلى أن أرصدة النقد الأجنبي في مصر بلغت أخيراً 26.4 بليون دولار. ويمثل ذلك تحسناً ملحوظاً من مستوياتها السابقة قبل أشهر قليلة حيث كانت تساوي 16.6 بليون دولار في آب (أغسطس) 2016. ويعني ذلك أن الثقة التي نتجت عن قناعات رجال الأعمال والمستثمرين بجدية الحكومة المصرية لإجراء إصلاحات اقتصادية مستحقة بدأت تؤتي أكلها. ودفعت هذه الثقة إلى زيادة تدفقات الاستثمار المباشر وتوظيف الأموال في سوق الأوراق المالية. يضاف إلى ذلك أن العاملين المصريين في الخارج بدأوا يرسلون الأموال من خلال القنوات الرسمية الشرعية بعدما أصبح سعر الصرف جذاباً.

ربما ارتفعت أسعار السلع والخدمات، خصوصاً المواد الغذائية والوقود، لكن ذلك يمكن استيعابه بعد مرور الوقت المناسب. ويبدو أن هناك طلباً على السندات والأذون. فالحكومة المصرية طرحت سندات قيمتها خمسة بلايين دولار في الأسواق المالية، تبلغ آجالها بين خمس سنوات و10 سنوات و30 سنة وبفائدة تتراوح بين 6.1 و7.5 في المئة. وقوبلت هذه الإصدارات بطلب قوي من المؤسسات الأجنبية، إذ جرت تغطيتها مرات. وهكذا يتضح أن الإصلاح الاقتصادي لا بد أن يؤدي إلى إنعاش الحياة الاقتصادية ويمكّن البلاد من توظيف إمكاناتها في شكل فاعل. وهذا الإصلاح سيؤدي إلى تدفق الأموال اللازمة لإنجاز المشاريع الحيوية وتشغيل الملايين من القوى العاملة والذي يمثل هدفاً اقتصادياً وسياسياً أساسياً للإدارة السياسية في مصر.


الأكثر قراءة في أفكار
المزيد من أفكار