< 30 عاماً قضتها الطبيبة المبشرة ماري بونز أليسون في الكويت حتى منحت اسماً أصبحت تعرف به: «خاتون وسمية»، لا من شيء سوى أنها نزلت الكويت شتاء 1934 والسماء تمطر. استطاعت التأقلم في بيئة مختلفة تماماً عنها ومتخلفة جداً عن مدينتها...

«المبشِّرة» ماري في رمضان

محمد المزيني |

< 30 عاماً قضتها الطبيبة المبشرة ماري بونز أليسون في الكويت حتى منحت اسماً أصبحت تعرف به: «خاتون وسمية»، لا من شيء سوى أنها نزلت الكويت شتاء 1934 والسماء تمطر. استطاعت التأقلم في بيئة مختلفة تماماً عنها ومتخلفة جداً عن مدينتها بنسلفانيا، إلا أنها جاءت مغمورة بمبادئ الكنيسة الإصلاحية الأميركية، التي تعزز لدى المبشرين روح التفاني في سبيل إقناع الناس من خلال خدمتهم.

تلك الـ30 سنة التي انقضت من حياتها منافحة ومناضلة في ظروف بيئية قاسية جداً من أجل تحقيق غاياتها لم تكن لتنجح في كسب أرواح الناس واستمالة قلوبهم تجاه المسيحية، على رغم الأعمال والخدمات الجليلة التي قدمتها وغيرها للكويتيين ونسائهم على وجه الخصوص، ولقد اعترفت بفشل التجربة في مذكراتها الموسومة «الدكتورة ماري في جزيرة العرب»، الذي تبنى ترجمتها وطباعتها في كتاب مركز البحوث والدراسات الكويتية.

في الكتاب رصد دقيق، على لسان ماري، الذي خطه قلمها لمراحل التحولات الاجتماعية للكويت ما قبل الاستقلال وبعده بقليل، إلا أن ما لفتني فيه شعورها العميق بخيبة الأمل، وفشلها الذريع في تحقيق ما جاءت من أجله وأفنت عمرها لكسب تعاطف الناس دينياً وتحويلهم إلى النصرانية، ومع ذلك ظلت مثابرة لم تذعن لكلمات المسيح عليه السلام لحوارييه، الذين أرسلهم في مهمة «إذا لم يرحبوا بك فانفض الغبار عن نعالك وغادر».

ظلت ماري، التي لم يكن لينتزعها من الكويت شيء لولا اقترافها ذلك الخطأ الطبي، الذي أشارت إليه في مذكراتها، تعمل ليل نهار وتعقد الجلسات وتوزع الكتيبات، ومع ذلك لم ينجذب إلى دعواتها ومعها كل المبشرين الذين حلّوا في أرض الجزيرة سوى نفر قليل جلهم من جنسيات مختلفة؛ من أجل تحقيق مآرب خاصة لا علاقة لها بالدين. تذكر ماري أن شاباً ادعى أنه من عائلة كويتية مرموقة تنصر من دون علمهم، وبناء عليه أكرموا وفادته ووفروا له سكناً وعملاً، ويوم وقعت بين يديه عهدة مالية «جزلة» اختفى هو والمال إلى الأبد.

كان شهر رمضان الكريم مؤشراً قوياً لا يمكن تجاوزه في خضم استبسال المبشرين في محاولاتهم البائسة للتأثير في الناس من أجل تغيير عقائدهم. رمضان يهز كل أركان القناعات الثابتة لديهم بقدرتهم أولاً وكفاءتهم ثانياً على تحقيق مآربهم؛ ليكتشفوا أنهم يتسلقون جبالاً وعرة لا يلبثون أن يتدحرجوا قبل وصولهم إلى القمة؛ لتبدأ رحلاتهم الشاقة من الصفر. تصف الدكتورة ماري أليسون رمضان في الكويت إبان إقامتها هناك ومتاعبهم التي يواجهونها خلال هذا الشهر بكثير من الشكوى، إذ يتوقف الناس عن زيارة المستشفى نهاراً لتلقي العلاج، ما يضطرهم إلى فتح عياداتهم ليلاً، كما أن المحال في هذا الشهر تمتنع عن تقديم الطعام المطبوخ، وكأن العادات والتقاليد الإسلامية أثبتت حضورها بين هؤلاء المبشرين بما لا يمكن مقاومته، فأمسوا يختلفون ليلاً في العشر الأواخر من رمضان إلى منازل علية القوم، يسامرونهم ويتناولون معهم سحورهم.

في إحدى شهاداتها، وصفت الدكتورة ماري تلك المرأة، التي جاءتها وهي منهمكة تزين قاعة الأبريشية والكنيسة استعداداً لليلة «الكريسماس»، كانت السيدة الكويتية تحمل أصغر أطفالها، بينما تعلق الآخر بفستانها، وفي اليد الأخرى تحمل شجرة صناعية منتصبة مزينة بنجمة ضخمة وعدد من الكرات الزجاجية، هدية منها للكنيسة، كان الهواء شديداً ومع ذلك لم يتحرك غطاء وجهها من مكانه ولم تسقط عباءتها التي تطير خلفها كشراع. في رحلاتها التبشيرية توقفت الدكتورة في أكثر من محطة خليجية، فمن الكويت إلى البحرين إلى عمان ثم السعودية، كل هذه الجهود الإنسانية والخدمات الطبية الشاقة المبطنة بأهداف تبشيرية لم تحرك في قلوب الخليجيين أدنى تعاطف للدين الذي جاءت لأجل نشره. صدمتها حقيقة ما ذهب إليه قادة الكنيسة من أنه لم تعد المدارس والمستشفيات ذات عائد حقيقي على الحملات التبشيرية بين المسلمين، لقد فهمت أن الحضارة الإسلامية تمنح المسلمين قوة سياسية واجتماعية، وفي المقابل يعطي الإسلام المسلمين العرب شعوراً كبيراً بالثقة والفخر والاكتفاء الذاتي لدرجة أنهم باتوا يرون أنه لا حاجة إلى التغيير.

تقول ماري مستشرفة المستقبل: «الأمم الإسلامية الآن عندها من الثروات ما يمكنها من نشر الإسلام بفعالية»، وفي ملاحظاتها ذات البعد العميق سجلت الدكتورة ماري أليسون رأيها بوضوح قائلة: «الإسلام هو منافس المسيحية المباشر، ودائماً قاوم المسيحية، بغض النظر عن الأساليب المتبعة، كما أن الإسلام انتشر على كامل الكرة الأرضية، ويتمتع بتاريخ مشرف يبلغ مداه 1400 عام».

هذه المبشرة وغيرها ممن رهنوا حياتهم لخدمة الكنيسة، بدعوة الناس إليها من خلال حملاتهم التبشيرية، التي تعرض حياتهم للخطر في أقسى الظروف المناخية، خرجوا من الجزيرة العربية «خالي الوفاض»، قد لا تكفي كلمات الشكر البريئة التي قدمها الرجل الكويتي، الذي جلس إلى جانبها في الطائرة وهي عائدة إلى بلادها بلا رجعة، قائلاً: «نحن - الكويتيين - ممتنون بما قمتم به من أجلنا، ولكن ممتنون أكثر لأنكم جئتم وعشتم بيننا»، قد تكون مسرورة أكثر ومبتهجة لو رأته يعلق الصليب، عزاء أو مواساة في فشل تجربتهم.

ثلاث جماعات مؤثرة جداً في علاقات العرب بعضهم ببعض ذات دلالات عميقة هي محصلة نهائية للإرساليات التبشيرية، ألمحت إليها الدكتورة ماري في مذكراتها، هي الجماعات الدينية العدوانية، والعرب ذوو النفوذ والتأثير السياسي، الذين يستمتعون بين الفينة والأخرى بإثارة الفتن السياسية، والتنافس الشديد بين الدول الغربية على الاستحواذ وتسيد العالم العربي، بمعنى دقيق جداً أن العالم العربي لا يمكن أن يغير عقيدته مهما أظهر تعاطفاً للعالم الغربي وثقافته، لكنه سريع الاشتعال من الداخل على قضايا أقل ما يقال عنها هامشية. وهذا ما يحدث واقعاً مشاهداً.

 

 

??* كاتب وروائي سعودي.

Almoz2012@hotmail.com


الأكثر قراءة في تلفزيون
المزيد من تلفزيون