الانتخابات الأبرز والأهم في الحياة السياسية في الولايات المتحدة هي طبعاً تلك التي تُجرى كل أربعة أعوام لانتخاب الرئيس ومعه كامل أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ. تليها أهميةً الانتخابات المسماة «نصفية»، لوقوعها في منتصف عهد...

هل فوز الديموقراطيين الأخير إرهاص بما قد يأتي في ميركا؟

حسن_منيمنة |

الانتخابات الأبرز والأهم في الحياة السياسية في الولايات المتحدة هي طبعاً تلك التي تُجرى كل أربعة أعوام لانتخاب الرئيس ومعه كامل أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ. تليها أهميةً الانتخابات المسماة «نصفية»، لوقوعها في منتصف عهد الرئيس، والتي تشهد كذلك انتخاب كامل أعضاء مجلس النواب (ولاية كل نائب سنتان)، وثلث آخر من أعضاء مجلس الشيوخ في الكونغرس (ولاية كل عضو ستة أعوام).

وفي كلتا الانتخابات، الرئاسية والنصفية، تُختار كذلك أعداد واسعة لمناصب مختلفة على مستوى الولايات والمقاطعات والمدن، بما في ذلك العديد من حكام الولايات وكتلة أعضاء المجالس التشريعية فيها وعمدات المدن وغيرها من المناصب المحلية. وتختلف الجداول الزمنية لهذه المناصب، والبعض منها يتطلب استفتاء الناخبين خارج مواعيد الانتخابات الرئاسية والنصفية، فهذه هي الانتخابات «الجزئية»، وتقع بالتالي في الأعوام الفردية بين الانتخابات الرئاسية والنصفية.

وجميع هذه الانتخابات تقريباً تُجرى مطلع تشرين الأول (أكتوبر). فإذا كانت الانتخابات النصفية نوعاً من الامتحان لأداء الرئيس في منتصف ولايته، فالانتخابات الجزئية التي تقام بعد عام واحد على تولي الرئيس رئاسته هي صنف من التنبيه إلى مدى نجاحه في مطلع عهده. وبناءً على هذا الإطار المتعارف عليه، يشعر الديموقراطيون، خصوم ترامب، بقدر من الغبطة للنتائج الجيدة التي حققوها في الانتخابات الجزئية هذا العام، والتي جاءت لمصلحتهم بما يزيد عمّا توقعوه هم أنفسهم. لكنْ من الأجدى التروّي في القراءات، ذلك أن «المتعارف عليه» لم يعد ساري المفعول على غير صعيد.

المعركة الأبرز في هذه الانتخابات الجزئية كانت على حاكمية ولاية فيرجينيا، حيث سعى المرشح الجمهوري، عبر اعتناق خطاب ترامب الشعبوي الحافل بالإيماءات العرقية والتصريحات المعادية للهجرة، إلى تفتيت التأييد الذي كان قد استجمعه المرشح الديموقراطي. وأشارت استطلاعات الرأي العام قبيل الانتخابات بالفعل إلى تقدم متصاعد للمرشح الجمهوري. إلا أن التصويت الفعلي جاء لصالح الديموقراطيين، ففاز مرشحهم بفارق حاسم. والديموقراطيون كانوا كذلك الفائزين في معركة حاكمية ولاية نيوجيرسي، وكسبوا العديد من المقاعد المتنازع عليها في المجالس التشريعية التي استحقت انتخاباتها.

أما الرئيس ترامب، وبانسجام متواصل مع سجلّه في هذا الصدد، حيث يرتبط تأييده بتأييد المرشحين له، وليس العكس، فقد تنصّل من محازبيه الذين لم يحققوا الفوز، متهماً إياهم بالفتور والميوعة وبالتخلف عن الاعتناق الواضح لرؤيته، ما أدّى إلى فشلهم. وفي المقابل، فإن الديموقراطيين يريدون أن يعتبروا أن نتائج هذه الانتخابات استفتاء حول ترامب وسياسته ومواقفه، وأن الفوز المتحقق لمرشحيهم إرهاص بما ستشهده الانتخابات النصفية العام المقبل، أي إمكانية تحقيق الأكثرية لحزبهم في أحد مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس، أو حتى في كليهما، وصولاً إلى اعتراض ما يقوم به ترامب من تفكيك لبرامج الدعم، ومنعه من الفوز بولاية ثانية عام 2020.

ولا شك في أن مستوى التأييد لترامب بلغ حدوداً تاريخية دنيا، إذ تشير الاستطلاعات المتكررة إلى أن نسبة من يمتدح أداءه من عموم المواطنين لا تزيد إلا بقليل عن الثلث. فقرابة الثلثين غير راضية عنه، وهذا خبر مفرح بالنسبة للديموقراطيين. لكن الاستطلاعات نفسها تشير كذلك إلى أن الثقة بالديموقراطيين أنفسهم هي عند الأرقام القياسية الدنيا، في جوار الربع من المستطلعين. أي أن ثلاثة أرباع الناخبين غير راضين عن الديموقراطيين. وهذا خبر محزن بالنسبة لمن أراد ألا يمعن بالانتقائيات الجدلية منهم.

إلا أن ثمة ما يلزم العاقلين من الديموقراطيين بالشعور بالقلق البالغ إزاء الوضع، لا الاغتباط السهل إزاء النتائج، وهو أن ذاك الثلث الداعم لترامب على قدر مرتفع من التجانس في ولائه للرجل، بغضّ النظر عن سياساته. يمكن للديموقراطيين هنا استعراض جدول شاسع من الوعود البراقة التي خالفها ترامب جهاراً ونهاراً، ومقارعة جمهور مؤيديه بالوقائع والتفاصيل التي تبين كيف أن سياسات ترامب الرئيس لا تخدم إلا النخبة التي هاجمها ترامب المرشح واتهمها بالتخمة والفساد، فيما هي تجرّد من تحمّس له من عموم المواطنين من مكاسب عدّة، صحية وضريبية واجتماعية. لكن لا جدوى من تشذيب الخطاب وتهذيبه بما أن هذا الخطاب مرفوض ابتداءً وغير قابل للإصغاء في الأوساط المؤيدة له، لأنه صادر عن جهة، أي الديموقراطيين، مطعون بصدقيتها وموسومة بشتى الرذائل.

«ثلث» ترامب إذن محصّن إزاء الديموقراطيين، وهذا الثلث هو كذلك الأكثرية النافذة ضمن الحزب الجمهوري. أي أن ترامب ضامن للترشيح الجمهوري، وممسك بقرار من يترشح من الجمهوريين. في المقابل، فإن «الربع» الديموقراطي منقسم على نفسه بين من يرى وجوب تحوّل الحزب إلى الرؤية المبنية على العدالة الاجتماعية وفق المفهوم التقدمي، ومن يرى ضرورة تثبيت الحزب لتوجهاته الوسطية والتي من شأنها استقطاب المستقلين. والمشكلة ليست وحسب في الخلاف الفكري ضمن الحزب الواحد، على جدية الأمر، إنما في انعدام الثقة بين الجناحين اللذين يتشكلان حول هذا الأفكار المتنافسة. ولانعدام الثقة ما يبرره، بعد انكشاف تورط المؤسسة الحزبية الديموقراطية، والتي يفترض أن تكون على الحياد، بالدعم الممنهج للوسطيين على حساب التقدميين.

وإذا كانت حدة الخلاف بين الجناحين تنخفض في المسائل المحلية، حيث التواصل الشخصي يلطّف الفرز العقائدي، وهو ما سمح للديموقراطيين بكسب العديد من المواجهات مع خصومهم الجمهوريين في الانتخابات الجزئية الأخيرة، فإنها ترتفع ويغيب فيها التلطيف على المستويات الأعلى. والتنافس الكاسر وغياب الثقة في المواجهة ضمن الانتخابات الحزبية التمهدية يؤديان إلى الإحجام عن التأييد في الانتخابات العامة، بل إلى تأييد خصم الجناح الحزبي المهيمن في كل معركة، فيستفيد الجمهوريون من الأصوات المعترضة، كما يستفيدون من غياب الناخبين الممتنعين عن التصويت.

فإذا كان ثمة إنذار في هذه الانتخابات الجزئية، فهو أن الأولى بالديموقراطيين ترتيب بيتهم الداخلي ومعالجة صراع الأجنحة، حتى قبل العمل على تحسين صورة الحزب لكسب ثقة عموم الناخبين. وإلا فلتنخفض أرقام ترامب ما انخفضت، فهي لن تضرّه إطلاقاً إن بقيت في حضيضها تواجه خصماً أكثر وهناً كالحزب الديموقراطي اليوم.


الأكثر قراءة في
المزيد من