أعلن الرئيس الفرنسي عما أسماه «Task force» عملانية ستشكل بسرعة لحل مشكلات الهجرة الأفريقية، وهي ستكون مشتركة بين دول أوروبية وأفريقية عدة وبرعاية الأمم المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي، تتعاون في إطارها أجهزة الشرطة والمخابرات في...

«قوة ضاربة» عالمية في أفريقيا؟

نهلة_الشهال |

أعلن الرئيس الفرنسي عما أسماه «Task force» عملانية ستشكل بسرعة لحل مشكلات الهجرة الأفريقية، وهي ستكون مشتركة بين دول أوروبية وأفريقية عدة وبرعاية الأمم المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي، تتعاون في إطارها أجهزة الشرطة والمخابرات في هذه البلدان. «فريق عمل» أم «قوة خاصة»؟ يلازم التعبير على أية حال، ومنذ ولادته في الحرب العالمية الثانية مروراً باستخدمه المبالغ به في الإعلانات العسكرية الأميركية، معنى حربي جعل الرئيس الفرنسي (المولع بالكلام وكذلك بالتعابير التقنية، الأنغلو ساكسونية منها بخاصة) يضطر لإضافة تأكيد إعلانه ذاك: «لسنا بصدد الذهاب الى الحرب». أفٍ، لحسن الحظ!

في «فندق العاج» الفخم القريب من المطار كما من قلب مدينة ابيدجان، عقدت قمة أوروبية ــ أفريقية منذ أيام، بحضور أمين عام الأمم المتحدة (وهو كان سابقاً المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)، وفيها قال الرئيس الفرنسي كلاماً يخرج عن السياقات التاريخية: مشكلة العبودية في ليبيا هي «استعباد لأفارقة من جانب أفارقة آخرين». هكذا إذاً! الجملة تطبيق نموذجي للصيغ الإعلانية الفاقعة وللحظويّة التي تجعل الحوادث قائمة بذاتها، بلا ماض، ومتخلصة من التشابكات ومن التعقيد الفعلي الذي يؤسسها.

لم يتوقف ما «كشفته» قناة CNN الأميركية منذ شهر تقريباً عن إثارة العواطف والانفعالات... الكاذبة في جلها! أولاً لأن الريبورتاج المصور للقناة الأميركية الذي يُظهر حالة بشعة من الإتجار بالبشر، ليس أول كشف في هذا الصدد بل سبقته عشرات التقارير، التي لم تكن ربما بنفس جودة هذا الأخير، ولكنها تعطي فكرة واضحة عما يجرى لمئات ألوف المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى، العالق أغلبهم في ليبيا (وكذلك في المغرب وفي مصر ولو بنسبة أقل). وليبيا بالأخص «موكلة» منذ 2000، أيام القذافي، وبموجب اتفاق مع السلطات الإيطالية آنذاك، بحراسة أوروبا ومنع تسلل المهاجرين الأفارقة (السود والمغاربة) اليها. هكذا، ورويداً وبفضل اتفاقيات متلاحقة، نقلت أوروبا حدودها الفعلية الى الشاطئ الشمال أفريقي، وتحصنت هي في قلعتها. وعلى رغم ذلك، لم تكن هذه القلعة حصينة تماماً، إذ بقي هناك متسللون اليها، يغرق بعضهم في البحر المتوسط الذي صار مقبرة هائلة، ويصل بعضهم الى شواطئها وبالأخص الى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية القريبة، ويجرى صدّ بعضهم الأخير سواء قبل أن يركبوا زوارق الموت أو في البحر، فيعادون من حيث أتوا، ويسعفون أحياناً حين يوشكون على الغرق.

في تلك القمة الأورو ــ أفريقية، قالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فريديريكا مورغيني (وهي ايطالية)، أنها شاهدت تحقيقات وقرأت شهادات عما يقع للمهاجرين الأفارقة ــ وبالأخص للنساء ــ في الجزيرة الإيطالية تلك، لامبيدوزا، وأنها تشبه كثيراً ما يجرى في ليبيا مما «كشفته» CNN. وأضافت أنه بخلاف الانفعال الحالي حول ليبيا، فتلك الحقيقة لم تثر أحداً!

ثم أن الوجود البائس في ليبيا لمهاجرين من جنوب الصحراء ليس جديداً، بل يمتد الى عقود سابقة. وهم كانوا قوة العمل الزهيدة الثمن في هذه البلاد المترامية الأطراف والقليلة في عدد السكان، وكان يتم طردهم أحياناً في موجات متلاحقة واستعراضية منذ الثمانينات، كما تعرضوا لحملة اصطياد عامة عام 2000، سقط نتيجتها مئات الضحايا من بينهم، وكانت تمريناً لإظهار قدرات النظام الليبي على الضبط، وتباهياً بغرض إدهاش أوروبا وكسب ودها. ويقدر الأفارقة السود في ليبيا بنصف مليون إنسان على الأقل وليس بالـ250 محتجزاً في ذلك المستودع حيث كانوا يُسامون من أجل الاستخدام في أعمال شاقة.

يقول الرئيس الفرنسي الذي تولى الإعلان عن تشكيل القوة الضاربة، أنها ستكافح شبكات تهريب المهاجرين وتقضي عليها ولو بالقوة العسكرية، وأن في ذلك مربحاً إضافياً، فشبكات التهريب هذه متداخلة مع الشبكات الإرهابية. والإعلان ما زال حديثاً وعمومياً حتى تمكن مقارنة القوة الضاربة تلك بـ «فرونتيكس» التي أنشأها الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من عشر سنوات، لتحمي الحدود الخارجية لأوروبا من المهاجرين ومن الإرهاب. ولعل الفارق يكمن في إشراك سلطات الدول الأفريقية المعنية وأجهزتها في الهيئة الجديدة، عوض اللجوء الى اتفاقيات ثنائية كما كانت الحال حتى الآن.

وهو أعلن أيضاً أن حوالى 3800 مهاجر سينقلون في الأيام القادمة عائدين الى بلادهم، بعدما سمحت ليبيا بدخول محققين من الاتحاد الأفريقي الى تلك المعسكرات التي حُددت بأنها الأسوأ. يا لخيبة أمل هؤلاء البائسين، بأن يعودوا أو يعادوا من حيث أتوا ولو مع بعض التعويضات المالية، بعدما تكبدوا كل تلك المشاق وصرفوا كل تلك الأموال ليصلوا الى ليبيا، محطتهم الى «الجنة» الاوروبية. ثم، ما الذي سيغيره هذا العدد القليل مقارنة بتلك الألوف المؤلفة الموجودة فعلاً في البلاد؟

ولكن السؤال الواقعي (وليس التعاطفي) الذي يشاكس النبرة الانتصارية الحازمة التي ميزت قرارات هذه القمة هو: كيف سيتوقف السيل العرم من الشبان النازحين عن قراهم أو عن أحياء الصفيح العملاقة المحيطة بالمدن الأفريقية الكبرى، بينما لم يتغير شيء في المعادلة التي حملت إخوتهم الكبار على سلوك طريق الصحراء الكبرى، التي يقدر أن عدد من ابتلعت جثته رمالها خلال سنتين (بين 2014 و2016) يتجاوز الثلاثين ألفاً، لتكون المقبرة الأكبر في العالم. أفريقيا التي تتجاوز مساحتها الـ30 مليون كيلومتر مربع وعدد سكانها البليون و200 مليون نسمة، تمتلك مصادر ثروات باطنية مهولة (30 في المئة من مناجم العالم كله، فعدا النفط والغاز، هناك البلاتين والماس والكروم والذهب واليورانيوم والفوسفات وسوى ذلك) يُتكل عليها لتكون مصدر الدخل شبه الوحيد، مما يجعلها بلداناً ريعية بقوة، لا توفر إلا القليل من فرص العمل للناس والبنى الإنتاجية الدائمة، عدا ما تسهله من أبواب للفساد. ومؤخراً راحت دول أفريقية عدة تؤجر أو تبيع أجزاء من أراضيها الزراعية (5 في المئة) لدول أخرى (وتحديداً الصين والهند وبعض دول الخليج) لتُستغَل في إنتاج زراعات كبرى معدة للتصدير وليس للاستهلاك المحلي... والمفارقة أن نسبة الأفارقة الذين يعيشون تحت خط الفقر، بدخل لا يتجاوز متوسطه 1.20 دولار في اليوم للفرد، تبلغ 47 في المئة من مجمل عدد السكان.


الأكثر قراءة في
المزيد من