منذ تولى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في كانون الثاني (يناير) الماضي، لم تتوقف الاتهامات حول الطريقة التي فاز بها في الانتخابات والدور الذي لعبته روسيا واستخباراتها في تلك الحملة، خصوصاً من خلال الاتصالات السرية مع مسؤولين في...

«ووترغيت» الثانية؟

الياس حرفوش |

منذ تولى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في كانون الثاني (يناير) الماضي، لم تتوقف الاتهامات حول الطريقة التي فاز بها في الانتخابات والدور الذي لعبته روسيا واستخباراتها في تلك الحملة، خصوصاً من خلال الاتصالات السرية مع مسؤولين في حملة ترامب الانتخابية، واختراق البريد الإلكتروني للحزب الديموقراطي ومرشحته هيلاري كلينتون.

بداية الاتهامات كانت مع تقرير أجهزة الاستخبارات الأميركية الذي أطلق الشكوك حول الجهة الروسية التي قامت بالقرصنة المعلوماتية على بريد الحزب الديموقراطي، والتي قال التقرير إنها تلقت الأوامر من أعلى الهرم في الكرملين، أي من بوتين شخصياً. أما لماذا يفعل الرئيس الروسي ذلك؟ فيجيب التقرير بأن هدف بوتين كان تشويه سمعة هيلاري كلينتون والتأثير في احتمال توليها السلطة، بسبب انتقاداتها لسياسات بوتين الداخلية وموقفها الحاد ضد ضم شبه جزيرة القرم. تم عرض نتائج ذلك التقرير على ترامب. وبدل أن يدعو إلى التحقيق في الدور الروسي، حوّل الاتهام باتجاه أجهزة استخباراته، معتبراً أنها غالباً ما أخطأت في تقاريرها في الماضي، كما اتهم الحزب الديموقراطي بعدم الحرص على حماية مراسلاته عبر بريده الإلكتروني. ومع تتابع التحقيقات، أخذت رؤوس تسقط من حول الرئيس في إطار هذه الفضيحة، التي ذكّرت كثيرين من المعلّقين الأميركيين بفضيحة التجسّس الشهيرة على مقر حملة الحزب الديموقراطي سنة 1972 لتسهيل فوز الرئيس ريتشارد نيكسون على المرشح الديموقراطي جورج ماكغوفرن، وهي الفضيحة التي صارت معروفة باسم «ووترغيت»، وانتهت بإطاحة الرئيس نيكسون.

تجاهل ترامب كل الاتهامات وانشغل بالتغريد على «تويتر» والهجوم على الصحافة بحجة تلفيقها «الأخبار الكاذبة»، وبالإساءات العنصرية إلى المسلمين وأصحاب البشرة غير البيضاء. لكن القضاء الأميركي لم يتوقف. وبعد إقدام ترامب على طرد مدير مكتب التحقيقات اليفديرالي (أف بي آي) جيمس كومي بعد أن طلب منه عدم ملاحقة مستشار الأمن القومي الجنرال مايكل فلين في قضية التدخل الروسي في الانتخابات، ها هو فلين الآن يتحول إلى صيد ثمين في شبكة المحقق الخاص روبرت مولر، بعد أن اعترف بأنه كذب أمام محققي «أف بي آي» عندما نفى اتصالاته مع روسيا قبل تولي ترامب الرئاسة، من خلال سفيرها في واشنطن آنذاك سيرغي كيسلياك. بل إن فلين أضاف إلى ذلك أنه تلقى الأوامر لإجراء تلك الاتصالات من «مسؤولين كبار» في حملة ترامب الانتخابية. وبين ما قامت به موسكو آنذاك تجاوباً مع اتصالات فلين هو عدم الرد على قرار أوباما بطرد 35 دبلوماسياً روسياً من واشنطن، رداً على اتهام موسكو بالتدخل في الانتخابات. واعتبر ترامب آنذاك قرار بوتين بعدم الرد «قراراً حكيماً».

اعترافات مايكل فلين تشكل أكبر تهديد حتى الآن لرئاسة دونالد ترامب: فلين كان أقرب المستشارين من ترامب خلال حملته الانتخابية، ويصعب أن يصدق أحد أنه يقدم على اتصالات مع روسيا من دون علم رئيسه. فلين أقدم أيضاً على هذه الاتصالات في شكل مخالف للقانون الأميركي الذي يمنع أي مواطن عادي (كما كان فلين قبل تولي ترامب الرئاسة) من إجراء اتصالات تتعلق بالسياسة الخارجية من دون موافقة الإدارة. أما الأهم فهو أن اعتراف فلين بتلقي الأوامر من «مسؤولين كبار» في حملة ترامب يشير بأصابع الاتهام إلى شخصين: ابن ترامب (دونالد جونيور) وصهره جاريد كوشنير، وفي الحالتين يصعب كذلك تصديق أنهما يتصرفان من دون معرفة ترامب. هل نحن أمام فضيحة «ووترغيت» ثانية يمكن أن تطيح ترامب وتزيح هذه الإساءة عن جبين أميركا والعالم؟ الأكيد الآن أن لا شيء سيوقف القضاء الأميركي عن مواصلة تحقيقاته، والصحافة الأميركية الشجاعة، عن تقصي الحقائق بشأن الالتفاف الفاضح على العملية الديموقراطية، الذي أتاح لشخص مثل دونالد ترامب تبوء أرفع منصب رسمي في العالم.


الأكثر قراءة في شباب
المزيد من شباب