لم تنتظر إسرائيل الرسمية قرار ترامب ولا الضجة التي أحدثها. فهي من زمن طويل فرضت سيادتها هناك وغيّرت «وجه الله» تماماً. بنَت سوراً جديداً فاصلاً وقطعت الوصل بين القُدس وسواها من مناطق فلسطين جنوباً وشمالاً وشرقاً. حوّلت المدنية العربية...

رضّة القدس من زاويةٍ أخرى!

مرزوق_الحلبي |

لم تنتظر إسرائيل الرسمية قرار ترامب ولا الضجة التي أحدثها. فهي من زمن طويل فرضت سيادتها هناك وغيّرت «وجه الله» تماماً. بنَت سوراً جديداً فاصلاً وقطعت الوصل بين القُدس وسواها من مناطق فلسطين جنوباً وشمالاً وشرقاً. حوّلت المدنية العربية وريفها إلى جيْب فلسطيني محبوس في قُمقم ومسلوب الإرادة، لأن القانون الوضعي وما يصدر عن الاحتلال من أوامر جعل المدينة في قبضة المحتلّ الإسرائيلي وأهلها مقطوعين من شجرة معزولين في مواجهة مصيرهم. وأنا، كمن يزور القدس من سنوات طويلة لضرورات العمل، أشهد في كل مرة اشتداد التحكّم الإسرائيلي بمفاصل المدينة ومفاتيحها.

مثل هذا التوصيف لا يُناسب الرومانسيين ولا أبطال الكلام الذين أسمعهم الآن من على كل منبر وفضائية. فكأن أهمية القدس الرمزية والدينية ولّدت المهتمين من هاتين الزاويتين وأغفلت مهتمين من غيرهما، بأهل القدس وهمومهم ومصائرهم، كأن المدينة أهمّ من ناسها، من بائع الجريدة والتمر هندي ومن الفلاحة التي أتت بباقات المِرمية والهندباء إلى باب العامود لتسترزق ومن صاحب فندق الزهراء الحميم!

قرار تـــرامب لن يُغيّر شيئاً سوى رفع منسوب غطرسة إسرائيل الرسمية أو التقليل من تشكيكها في حقّها الاحتلالي. ومع هذا فإن مآل القُدس برمـــزيتها ومكانتها يؤشّر بقوة على مآل المسألة الفلسطينية وحال العرب. ولأن حال العرب مستعصٍ في المدى المنظور أحصر الكلام في الساحة الفلسطينية. وهنا، لا بشارة لدي سوى الحديث في «الواقعي». وهو حديث يحض على إحداث الاختراق في الانسداد بأيدٍ فلسطينية، أيدي الشعب والقيــادة معاً. وعليه، يُمكننا أن نرى إلى قــرار ترامب على أنـه رضّة في أزمة بانية، وليس باعثاً على الإحباط أو الندب أو لطم الصدور. فالقرار في دلالاته قد يجعل الفلسطينيين يقرون بانتهاء مرحلة مئة عام من قضيتهـــم وبدايـــة مئة عام أخرى. وإذا كانوا فقـــدوا زمام المبادرة وهُزموا فـــي المئة سنة الفائتة فالأجدر بهم أن يُبادروا إلى مَفهمة جديدة للمسألة.

ينبغي الخروج فوراً من نفق التفاوض حول حلّ الدولتيْن لأنه غير ممكن في الواقع وهو إرث لقرار التقسيم الذي تجاوزته كل الوقائع ونسيته في الأرشيفات مستنداً أو فكرة تقادمت وشاخت. وينبغي التوقف كلّياً عن التعاطي مع الشأن الفلسطيني على أنه شأن سينفرج بمجرّد توقف مشروع الاستيطان عند هذه المرحلة أو فكفكة بؤرٍ استيطانية هنا أو هناك. وأكثر، ينبغي التوقف كلّياً عن لغة تبدأ وتنتهي بالحديث عن منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. هذه اللغة ومفرداتها وقواعدها انتهت صلاحيتها تماماً وصار قاموسها كومة خردة تُعيق السير وتسدّ الأفق.

وماذا إذاً؟ هناك حاجة إلى صياغة مشروع سياسي فلسطيني عام يتعاطى مع المستجدات ولا يكون ترِكة ثقيلة وإرثاً مُتعباً. مشروع يُلغي الخط الأخضر تماماً ويتعامل مع الاحتلال على أنه كولونيالية إسرائيلية يهودية مستأنفة. لأن فشل كل مسار التفاوض منذ مؤتمر مدريد يعني فشل إمكان التحول الإسرائيلي إلى نظام لا كولونيالي مُتصالح في حدود ما مع الفلسطينيين، أهل البلاد الأصليين. وهذا يعني إعلان السلطة الوطنية أنها في حِلّ من إرث اتفاقيات أوسلو وسواها لأنها تحوّلت إسرائيلياً إلى آليات للسيطرة والتحكّم بأيدي المُجتمع الكولونيالي المتجدد في مشروعه وسياساته. وهذا يعني بوضوح التعامل مع الذات الفلسطينية على أنها واحدة وتشمل كل المجموعات الفلسطينية حيثما كانت بما في ذلك الداخل الفلسطيني لا سيما الساحل والجليل. أمر يستدعي جرأة سياسية وتاريخية للتخلّص من إرث التقسيمات الجغرافية بداعي الخصوصية السياسية أو الجغرافية أو الوضعية. فإذا كانت إسرائيل الرسمية ساعية إلى الاستحواذ على فلسطين التاريخية كلها من البحر إلى النهر بما فيها كل القدس، فلماذا يُبقي الفلسطينيون على التقسيمات في مشروعهم السياسي الجديد؟ وهذا يستدعي موقفاً حاسماً من القيادات الفلسطينية داخل إسرائيل. فهم، أيضاً، غير محرَّرين من تبعة هذه الفكرة وما تفرضه المستجدات عليهم، لا سيما سلسلة التشريعات التي تقضي باستثنائهم من اللعبة السياسية في إسرائيل، وتحوّلهم أكثر وأكثر إلى مجموعة فلسطينية أخرى تحت السيطرة!

ريثما يتمّ التخلّص من إرث الماضي الفلسطيني وتطوير المشروع السياسي الجديد المنطلق من تعادل ديموغرافي بين البحر والنهر ومن كون المسألة الفلسطينية مضفورة بتلك اليهودية، سيُحسن الشعب لو تنظّم وراجع استراتجياته بشجاعة وفاعلية. وسيُحسن «المُصرْصَعون» والمُقَرقِعون بالصواريخ صُنعاً لو انضموا إلى الجهد لتطوير مشروع فلسطيني وطني جديد قابل للحياة من خلال النظر مباشرة في عيني الواقع. ونذكّرهم أنهم كانوا جزءاً من الفشل وشركاء فيه.


الأكثر قراءة في شباب
المزيد من شباب