استؤنفت المحادثات السورية في جنيف في 5 كانون الأول (ديسمبر). واختتمت الجولة السابقة، من 28 تشرين الثاني (نوفمبر) إلى 1 كانون الأول، بإحراز دمشق نجاح ديبلوماسي. وعلى رغم أن مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، قدم ورقة...

مرحلة سياسية جديدة في سورية

ليونيد_إيساييف |
مرحلة سياسية جديدة في سورية

استؤنفت المحادثات السورية في جنيف في 5 كانون الأول (ديسمبر). واختتمت الجولة السابقة، من 28 تشرين الثاني (نوفمبر) إلى 1 كانون الأول، بإحراز دمشق نجاح ديبلوماسي. وعلى رغم أن مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، قدم ورقة مبادئ من اثني عشر بنداً للتسوية السلمية خلت من بنود غير مريحة لنظام دمشق مثل اعتماد الدستور الجديد والإصلاح السياسي، لم يكن وفد السلطات السورية في عجلة من أمره للعودة إلى طاولة المفاوضات. ويبدو أن النظام السوري مستعد لمواصلة المحادثات مع المعارضة إذا اعترفت هذه بدوره القيادي والراجح في عملية السلام. وكانت السنة الحالية منعطفاً: انخفاض حدّة العمليات العسكرية بعد سبع سنوات تقريباً من إراقة الدماء. واليوم يتصدر السلام والاستقرار أولويات السوريين ويتقدم على مشكلات السلطة ومستقبل النظام السياسي.

واليوم مع الانتقال من المرحلة العسكرية في الصراع السوري إلى المرحلة السياسية– الديبلوماسية، تجبه موسكو تحديات أكثر صعوبة: ترسيخ النفوذ بواسطة أدوات غير عسكرية. وهذا ما هو وراء إفراط القيادة الروسية في النشاط في الأسابيع الأخيرة، إذ يبدو أن موسكو تحاول بذل كل ما في وسعها لإبقاء عملية التفاوض تحت سيطرتها. ولكن مع مرور الوقت، يضعف اعتماد نظام بشار الأسد على الأسلحة الروسية، وتكبر حاجته إلى مساعدة مالية لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة. وهذا يفقد صيغة «الترويكا» (روسيا وإيران وتركيا)، التي صارت أخيراً أثيرة على موسكو، جاذبيتها. وأولاً، لا يمكن أياً من هذه البلدان أن تبعث النمو والانتعاش الاقتصادي في سورية. وثانياً، لن يكون وضع روسيا في المستقبل القريب أفضل من شركائها في التحالف، أي تركيا وإيران. بل ستضطر موسكو إلى قبول دور متواضع نسبياً. وهذا كله يحملها على البحث عن حلفاء جدد، وفي المقام الأول، في صفوف المعارضة. وجلي أن لا أحد قادر على إرغام الرئيس بشار الأسد الذي انتصر في الصراع العسكري على الاستقالة. وعلى رغم إدراك هذا التعذر، تسعى القيادة الروسية إلى إشراك قوات من المعارضة في قيادة البلاد، التي يمسك بمقاليدها ممثلو حزب البعث الحاكم.

وتجلت الرغبة في إبراز دور روسيا الرئيسي في المبادرات الأخيرة للقيادة الروسية، ابتداء من بيان فلاديمير بوتين حول مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي وانتهاء بسلسلة من الاجتماعات التي عقدها مع قادة بلدان الشرق الأوسط. وأكثر المؤشرات وضوحاً إلى هذه الرغبة هي زيارة الأسد إلى سوتشي. وهذه الزيارة تثبت للمجتمع الدولي أن موسكو هي صاحبة نفوذ استثنائي على النظام السوري وأنها قادرة على إقناعه بالحوار مع المعارضة. ففي كل مرحلة النزاع السوري، غادر بشار الأسد البلاد مرتين فحسب، في عامي 2015 و2017، وفي الحالتين للاجتماع بالزعيم الروسي.

 

تقاسم النصر

وموسكو مدعوة إلى إجراء حسابات دقيقة. أولاً، لا أنقرة، ولا سيما طهران، تنويان الانسحاب من مواقعهما. وأظهر اجتماع بوتين مع رئيسي إيران وتركيا، حسن روحاني ورجب طيب أردوغان، أن مصلحة ظرفية تجمع بين الطرفين وتحملهما على التعاون. أما الرؤية الاستراتيجية التركية والرؤية الإيرانية إلى مستقبل سورية، فهي متباينة. لذا، أبرز ما نجم عن اجتماع «الترويكا» هو تأجيل إلى وقت غير محدد مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي، الذي كان مقرراً في أوائل كانون الأول. ويبدو أن المؤتمر قد يحاكي اجتماعات آستانة لكن من دون مشاركة عسكريين فيه، وسيتناول جدول أعمال سياسية. ونجاح هذا المؤتمر هو رهن قدرة وزارات الخارجية والدفاع واستخبارات في البلدان الثلاث، على إرساء نهج موحد، إلى حد ما، للحوار السياسي السوري. وثانياً، النظام السوري، إثر رجحان كفته، صار أقل اهتماماً بعملية التفاوض، ولم يعد يرى أن المعارضين مصدر خطر قد ينافسه على القيادة السياسية. وأبرز قرينة غير مباشرة على ذلك هو رفض دمشق الأولي المشاركة في مفاوضات جنيف.

ولذا، تتعاظم أوجه الشبه بين مؤتمر الحوار الوطني- ويفترض أن يحدد معالم الدولة السورية المستقبلية- ومفاوضات المنتصر مع الخاسر. وقد تدور هذه المفاوضات، في أحسن الأحوال، على إدراج ممثلين عن المعارضة في المؤسسات الخاضعة لسيطرة البعثيين، شرط تنفيذهم قرارات دمشق. وفعالية عملية التفاوض هي وثيقة الصلة بقدرة موسكو على التوسل بما تبقى لها من نفوذ في ترسانتها من أجل الضغط على دمشق لحملها على الدخول في حوار سياسي. وإلا فإن الإنجازات التي حققتها روسيا على مدى العامين الماضيين قد تتبدد بلمح البصر.

 

 

??* محلل سياسي، عن موقع «آر به كا» الروسي، 5/12/2017، إعداد علي شرف الدين.


الأكثر قراءة في معلوماتية واتصالات
المزيد من معلوماتية واتصالات