يبدو التضامن العالمي مع الحق العربي في قضية القدس، ممثلاً في إجماع الدول الأعضاء في مجلس الأمن ضد قرار دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده إليها، وفي توافق 128 دولة من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة على رفض القرار مقابل 9 أعضاء فقط قبلوا...

تباشير الحق على رغم عنفوان القوة

صلاح_سالم |

يبدو التضامن العالمي مع الحق العربي في قضية القدس، ممثلاً في إجماع الدول الأعضاء في مجلس الأمن ضد قرار دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده إليها، وفي توافق 128 دولة من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة على رفض القرار مقابل 9 أعضاء فقط قبلوا به، أمراً كاشفاً عن الحدود التي يمكن أن يبلغها الضمير الإنساني في الإدانة الأخلاقية للقوة القاهرة والانتصار لمفهوم الحق الشامل.

نعم، كانت الولايات المتحدة قادرة على استخدام حق الفيتو لتعطيل الفاعالية السياسة لقرار مجلس الأمن ولكن الإدانة وقعت أخلاقياً وإنسانياً. وعلى رغم أن قرار الجمعية العامة ليس بمقدوره ردع سلوك الدولة الأعظم، لكن أثره المعنوي يظل هائلاً في تمثيل الحق والتأكيد عليه.

تكمن معضلة المجتمع العالمي العابر للدول في ذلك التناقض الجوهري بين أخلاقية الفكرة وهشاشتها في الآن نفسه، بل إنها هشة جداً لكونها أخلاقية تماماً، وهي المعضلة ذاتها التي طالما واجهت مفهوم المجتمع المدني المتجاوز للسلطة السياسية، فبمقدار أخلاقية المفهوم وإنسانيته تبقى هشاشته أمام سلطات حاكمة قد تكون غاشمة. وإذا كان مفهوم المجتمع المدني قد نما كثيراً منذ نظَّر له جون لوك، خصوصاً عبر القرنين الأخيرين، إلى حد صار معه أكثر تمكيناً، في المجتمعات الديموقراطية قطعاً، وذلك على نحو لا يمكن أي سلطة تجاهله إلا وعادت لتدفع الثمن بعد حين قد يطول أو يقصر، فإن مفهوم المجتمع العالمي بصدد التطور العميق حتى لو بقيت دول كبرى أو دولة عظمى قادرة على التصرف خارج ضوابطه، وبما يتناقض مع متطلباته. ذلك أن الفارق لا يكمن في مستوى أخلاقية المفهومين بل في مستوي نضجهما والخبرات التي راكماها، حيث تمكنت المجتمعات المدنية أحياناً من إسقاط حكامها وتغيير حكوماتها، أما المجتمع العالمي فلم يستطع ذلك بعد، إذ إن الإدانة الأخلاقية لا تترجم دائماً إلى سلوكيات عملية. لكن هذا الفارق يبقى كمياً يمكن تجاوزه يوماً، بفعل العلاقة الجدلية بين مستويين لفاعلية العقل العملي نفسه، وفـــق كانط، فمُثل السلام العالمي التي يمكــــن لمجتمع دولي أن يتمثلها لا يمكن أن تتحقق إلا عبر بناء مجتمعات مدنية ودول ديموقراطية، يتوارى فيها العقل الغـــريزي تدريجياً وينمو مفهوم الواجب، القادر على رفض كل أشكال الإرغام والقهر في الداخل والخارج معاً والتصدي لها.

يمتح المجتمع المدني من مفهوم الحرية الذي تطور في تجارب عدة فصار أكثر رسوخاً، فيما يمتح المجتمع العالمي من مبدأ الخير العام الكوني، الذي لم يزل حلما لدى المثاليين، ولذا فإن أكثر الواجبات استحقاقاً الىوم تتمثل في السعي إلى تعليمه وغرسه في بنى الثقافات، والشروع في تعليمه لجميع الناس بدعم من حكوماتهم، حتى يتغلغل في الأسس الدستورية للدول، وفي صرح القوانين المدنية، التي تعكس خبرات المجتمعات والحضارات الكبرى، وتجسد المشترك الإنساني، وذلك كي يتمكن، ولو بعد حين، من التحكم في سلوك الأفراد والجماعات، إذ يدرك الجميع أن عالمنا واحد فعلاً، وأنه يمكن أن يسعنا جميعاً مهما كانت اختلافاتنا... فهو يسع المؤمن والملحد، الأبيض والأسود، الغني والفقير، إذا ما ساد التعاطف الذي يسمح بالتفهم وليس فقط الفهم.

وإذا كان مفهوم المجتمع المدني يقتضي ألا يتطلع كل فرد إلى مصلحته فقط، بل إلى هذه المصلحة في سياق صالح عام لجماعة/ دولة، فإن إعمال مبدأ الخير العام يقتضي ألا تسلك دولة طريقاً يحقق مصلحتها على جسد دولة أخرى، بل ضمن مجموع الأمم، ومن ثم فإن العامل الحاسم في تأكيد السلم العالمي لا بد أن يتجذر في الشعور العميق بواجب مشترك ناجم عن القوة الروحية للنزعة الإنسانية، إذ يتمكن الأفراد المستنيرون من تجاوز حدود دولهم وأممهم إلى الشعور بالمسؤولية عن المجتمع البشري قاطبة. إنه الشعور الذي نما في ضمير البشرية بظهور الديانات العالمية وحلولها محل نظائرها المحلية، وأيضاً مع تبلور الأنساق الفلسفية الكبرى، وخصوصاً مع رسوخ النزعة الإنسانية العلمانية. لكن أثره السياسي المباشر لم يبلغ حتى الآن القدر اللازم لقيام مجتمع عالمي، فالأمر يظل صعباً بحكم أسباب كثيرة، ولكن على الجماعات البشرية كلها أن لا تفقد الأمل، وأن لا تتوقف عن السعي إليه، كي تصيب ولو قَدراً منه، بعد أن تتمكن من وقف الحركة في الاتجاه العكسي له. فإذا ما تركنا النزعة الفردية تصل إلى ذروتها المطلقة نكون في شكل أو آخر أمام أنانية جديدة، ليست هي تلك البدائية القديمة القليلة الحيلة، بل الحديثة المسلحة بكل عوامل القوة والدهاء، القادرة على النيل من كل فرد آخر.

وإذا تركنا الفكرة القومية تعمل عملها بلا رادع، فإن المثال النازي المقيت لن يظل خلف ظهورنا، ولا النموذج الفاشي سيبقى مجرد جزء من ماضينا التعس، بل سوف نواجههما على طريق المستقبل، غداً وبعد غد. فالهمجية الجمعية لا حدود تقف عندها، خصوصاً مع التطور الهائل في إنتاج شتى أدوات الدمار والموت.

في هذا السياق، يبدو قرار ترامب حيال القدس، مثل جميع قراراته إزاء القضايا الأخرى تقريباً، بمثابة شر مجاني، لعله أسوأ أنواع الشرور، فهو لا يعني الكثير واقعياً سواء لإسرائيل أو للفلسطينيين طالما أن حل الدولتين معطل، واستراتيجية الاستيطان والحصار تتم على أهبتها، والأمر الواقع يفرض نفسه باستمرار. ولكنه يبقى مهماً على الصعيد الرمزي من زاوية الكشف عن محدودية احترامه لمفهوم الحق ولقيمة العدالة، وعن مدى إهداره لحكمة التاريخ، وعن حدود الرهان الخائب والظالم على مفهوم القوة العارية، وهو أمر يثير شكوكاً عميقة في مستقبل التعايش الإنساني، ويمنح لغرائز التطرف وشياطين العنف كل ما تصبو إليه من تبريرات لكل ما تود وتحلم أن تقوم به من جرائم صلب وتمثيل بإنسانيتنا المتمدينة. ولعل هذا هو سر تضامن العالم معنا، وهو أمر يتوجب أن نثمّنه وأن لا نخذل أهله، فنتوقف عن إنتاج العنف والاستبداد وفي تعلم كيف نخاطب عالمنا وكيف ننتصر لقيمه مثلما انتصرت تلك القيم لنا، وليكن ذلك هو إسهامنا في تدعيم مبدأ الخير العام، ومفهوم المجتمع العالمي، لعله يعود ليخرجنا من بعض مآزقنا.


الأكثر قراءة في
المزيد من