بخلاف انتفاضة 2009، التي نالت دعماً غربياً لفظياً فحسب، لم تنل المظاهرات الأخيرة سوى تصريحات غربية فاترة وعمومية تتعلق بحق إبداء الرأي. في هذا الصدد، تغريدات دونالد ترامب المساندة للمتظاهرين لا يُنظر إليها بجدية تفوق تباهيه بامتلاكه...

عندما يشدّ بوتين وأردوغان على يد خامنئي

عمر_قدور |

بخلاف انتفاضة 2009، التي نالت دعماً غربياً لفظياً فحسب، لم تنل المظاهرات الأخيرة سوى تصريحات غربية فاترة وعمومية تتعلق بحق إبداء الرأي. في هذا الصدد، تغريدات دونالد ترامب المساندة للمتظاهرين لا يُنظر إليها بجدية تفوق تباهيه بامتلاكه زراً نووياً أكبر مما لنظيره الكوري الشمالي، وربما تكون أكثر صدقية تصريحات أندرو بيك، نائب وزير الخارجية لشؤون إيران والعراق، لجريدة «الحياة» حول سعي إدارته إلى تغيير في سلوك إيران، لا تغيير نظامها.

ولعله من المستغرب وجود اتفاق عام على فضيلة تحييد الغرب عن الشارع الإيراني، ما يعكس لدى البعض انعدام الثقة بوجود دعم غربي حقيقي لحقوق الإنسان، ولدى البعض الآخر نكوصاً (أو عداء أصيلاً) لكل ما يمت بصلة لقضايا العالمية أو العولمة. في حين لا تخفى النتائج المتوقعة لبقاء الإيرانيين وحدهم في العراء أمام آلة قمع جهنمية، آلة تستعيد تفاصيل تعامل تنظيم الأسد مع بدء الثورة لتشير إلى العقل المدبّر في طهران، ولتُنذر بمآل لا يريد الغرب تحمل تكاليفه إذا رغب الإيرانيون في مواجهته.

في مقابل نكوص الغرب وانكفائه، لم يتردد الكرملين والإعلام التابع له في تأييد نظام الملالي، ليتبعه مكتب أردوغان ووزير خارجيته في إعلان التأييد، وإذا أتى الدعم التركي من بوابة دعم توجه الرئيس روحاني، فالمغزى الأهم في الإشارة التركية إلى أن المظاهرات لا تحظى سوى بتأييد نتانياهو وترامب! أول ما يعنيه هذا الاصطفاف أن تفاهمات القوى الثلاث انطلاقاً من الملف السوري أعمق من التوافق الآني أو الموضعي، وأن ما كان يُشاع عن تنافسها تشبّهاً بالماضي تدحضه الوقائع، فلا حرب مقبلة بين القيصر والسلطان، ولا حرب محتملة أيضاً بين ورثة الصفويين ووريث العثمانيين.

ربما يكون الغرب الأوروبي بعدم تأييده الإيرانيين قد فوّت فرصة التصويب عليه من قبل أردوغان، خاصة مع موقف رئاسة ماكرون الذي بدأ بالانقلاب على موقف سلفه من بشار الأسد، ليصل اليوم إلى ما يشبه مباركة لنظام الملالي، مع التهيؤ لاستقبال أردوغان بعد عدم توفير الأخير أية فرصة لمهاجمة أوروبا والنيل من أنظمتها الديموقراطية. مصدر نقمة أردوغان على أوروبا ليس في عدم قبول بلاده ضمن الاتحاد الأوروبي، فإشهار هذه النقمة يتزايد مع كل عملية قمع يقوم بها في تركيا، أي أن استهداف النموذج الأوروبي توظيفٌ في الداخل وتبرير لما يحدث فيه، ووفقه قد يأتي الانسحاب من اتفاقيات الشراكة مع أوروبا تخلصاً من التزاماتها الحقوقية في الداخل، لا انتقاماً لعدم نيل العضوية الكاملة وإرضاء لنرجسية الشعور القومي المحلي.

في ما يذكّر بأسباب نقمة متظاهري إيران، تقع العملة التركية في أسوأ مستوى لها منذ استلام حزب العدالة الحكم، ويتراجع مؤشر الحريات الأساسية على نحو خاص منذ الانقلاب المضاد بعد فشل المحاولة الانقلابية. في الوقت ذاته، تقتسم أنقرة النفوذ في سورية مع موسكو وطهران بالتحالف معهما، وتسعى إلى اكتساب مناطق نفوذ تصل إلى أفريقيا. وكما هو معلوم، تلازم التردي الداخلي والطموح الخارجي هو سمة الاستبداد، يُضاف إليه تردي العائد المتوقع من التوسع الخارجي على العكس من القراءة الخلدونية لصعود الأمم وهبوطها ومن مسيرة الاستعمار عموماً.

لا غرابة في أن يستلهم أردوغان تجربة نظيره الروسي، فبوتين أيضاً يتربع على عرش المافيا الحاكمة، يخوض مغامرات عسكرية خارجية، ويكاد يصور نفسه كما الاسكندر بينما مؤشرات الاقتصاد الروسي في مستوى متدنٍّ، والعملة المحلية تنوء بثقل تضخم لا يعكس نمواً اقتصادياً بل تراجعاً في مختلف القطاعات. أما للدلالة على حال الحريات فلا تكفي الإشارة إلى تداول السلطة بين بوتين وميدفيدف، ما لم تقترن بالإشارة إلى التصفية الجسدية لبعض المعارضين أو الافتراء على بعضهم الآخر لتصفيته معنوياً وحرمانه أية فرصة للمنافسة السياسية.

في الواقع ليست المشتركات مع نظام الملالي هي ما يدفع بوتين وأردوغان للشدّ على يد خامنئي، فإلى جانبها هناك طموح مشترك لاستغلال فرصة استراتيجية تاريخية متعينة بالانكفاء الأميركي والغربي عموماً عن المنطقة. الطموح، لدى أطرافه الثلاثة، يتغذى على تراجع الغرب عن تبشيره بقيم حقوق الإنسان، وتالياً على اعتبار المنظومة الدولية لحقوق الإنسان في حكم المنتهية والتأسيس لما يناقضها في البلدان الثلاثة وفي مناطق نفوذها المكتسبة، إن لم تكن الأخيرة على نفس سويتها أو أدنى. التهجم على القيم الغربية، التي يُقصد منها تحديداً الدفاع عن حقوق الإنسان، هو الغطاء الأيديولوجي للأنظمة الثلاثة التي لا تتقاسم أية منظومة مفاهيمية سوى الطموح إلى السيطرة داخلياً وخارجياً، وإلى الاستقواء بالسيطرة الخارجية على الداخل.

وعلى رغم القول التقليدي أن السياسة لا تحتمل صداقات دائمة إلا أننا عايشنا صداقات مديدة، تحديداً منها تلك القائمة على تشابه في أنظمة الحكم ومقاصدها. تأييد موسكو وأنقرة نظام الملالي ضد المتظاهرين يندرج في هذا السياق، ويجدر به التخفيف من التحليلات التي تراهن على شقاق روسي- إيراني يبدأ من سورية، أو تلك التي تراهن على براغماتية أردوغان، من دون التفكر في طموحاته التي تنسجم مع حلفائه الجدد بمقدار ما تتناقض مع القيم الديموقراطية الغربية.

التغيير الديموقراطي في إيران ليس شبحاً يؤرق بوتين فقط وهو يستعد لتجديد ولايته الرئاسية، وإنما يؤرق أردوغان وهو يحصد مكاسب استفراده بالسلطة. انفلات التعدد الإثني والديني في إيران شبح آخر يؤرق الاثنين، ولا يتوقف عند القضية الكردية التي توحد بين أنقرة وطهران داخل حدودهما وخارجها. هذا الموقف ينسجم مع جملة المواقف الغربية التي باتت تفضّل الاستقرار، بضمانة أنظمة الاستبداد، على تحول غير مضمون النتائج، إلا أن السياسة الغربية المستجدة تملك من قصر النظر بقدر تدني دوافعها الأخلاقية، ولا تتوقف بتعقل ضروري أمام الواقع الذي يقول إن روسيا التي تقود التحالف الجديد هي أكبر مورِّد للنازحين واللاجئين إلى الغرب تاريخياً، سواء من ضمن الاتحاد الروسي أو السوفياتي أو من شعوب الأنظمة التي حظيت وتحظى بدعم روسي. مع مجمل هذه السياسات، مؤشر الأمل هابط جداً، وربما يحمل الروس والإيرانيون العبء الأكبر للارتقاء به.


الأكثر قراءة في
المزيد من