تدعو المؤشرات الاقتصادية الأميركية العامة (معدلات النمو والبطالة والتضخم) إلى التفاؤل. فهي قرائن على أن الاقتصاد مزدهر على نحو يفوق ازدهاره طوال الأعوام العشرة المنصرمة. ويفوق نمو الاقتصاد العالمي كل الآمال والتوقعات على رغم تعليق...

لائحة بالآمال الاقتصادية المعقودة على عام 2018 ... والخيبات غير المستبعدة

مايكل_جي_بوسكين |

تدعو المؤشرات الاقتصادية الأميركية العامة (معدلات النمو والبطالة والتضخم) إلى التفاؤل. فهي قرائن على أن الاقتصاد مزدهر على نحو يفوق ازدهاره طوال الأعوام العشرة المنصرمة. ويفوق نمو الاقتصاد العالمي كل الآمال والتوقعات على رغم تعليق الجواب عن السؤال: هل هذا النمو مستقر؟ والجواب رهن السياسات النقدية والمالية العامة والتجارية التي تنتهجها الولايات المتحدة والبلدان الأخرى. واستباق هذه السياسات عسير. فبعض الذين يتولون المناصب السياسية العليا جدد وانتُخبوا في السنة الحالية (2017) مثل الرئيس الأميركي (ترامب) والرئيس الفرنسي (ماكرون) ورئيسة الوزراء البريطانية (ماي). ويرأس مجلس الاحتياط الفيديرالي الأميركي رجل ينتظر تثبيته في منصبه على رأس المجلس. ولم يقر المسؤولون السياسيون في ألمانيا تشكيل حكومة ائتلافية منذ الانتخابات النيابية في أيلول (سبتمبر). والتغيرات السياسية العميقة في بعض البلدان النامية التي تتمتع بوزن راجح، شأن الأرجنتين والبرازيل، لم تنجل بعد عن نتائج واضحة.

ولكن هذه الظلال لا تحول دون صوغ بعض التوقعات والأماني. فصندوق النقد الدولي يأمل في انتشار النمو، البالغ أقل من 4 في المئة بقليل، في البلدان كلها. والنمو لا يرفع الأجور فحسب، بل يتيح بلورة حلول لمشكلات معقدة مثل عجز الموازنات والتسليفات المصرفية غير المضمونة. وكان الرئيس الأميركي جون كينيدي أدلى، في تشرين الأول (أكتوبر) 1963 بتصريحه الشهير: «المد البحري يرفع موجة كل السفن معاً». وأنا أرجح أن يستمر النمو المتجدد في 2018، وأن يبلغ متوسطه 3.5 في المئة. والمنطقتان المهددتان بكبح نموهما هما أوروبا، حيث النشاط الدوري قد يخسر زخمه، والشرق الأوسط، الغني بالنفط، حيث قد تفضي النزاعات مرة أخرى إلى الانفجار.

ونأمل في أن يمضي الاحتياط الفيديرالي، في عهد رئيسه الجديد، جيروم «جاي» باويل، على سياسة التطبيع المالية ويسوغها من طريق زيادة معدل الفائدة الرئيس وتقليص حساب نتائجه المثقل بالديون. والأمل معقود على أن تتيح الأحوال الاقتصادية للمصارف المركزية الكبيرة الأخرى، وفي مقدمها المصرف الأوروبي، انتهاج الطريق نفسه. وأرجح أن تتولى هذه المصارف تطبيع سياستها على وتيرة أضعف من الوتيرة الضرورية. ومصدر التهديد الأكثر خطورة هو أن تعمد الأسواق إلى امتحان إدارة الاحتياط الفيديرالي الجديدة، في حال زاد التضخم عن معدله المنتظر، على سبيل المثل. وفي باب السياسة الضريبية، نأمل في أن يؤدي مشروع القانون الذي أعده الجمهوريون، على نحو ما يلوح أصحابه، إلى تعاظم الاستثمارات والإنتاج والإنتاجية والأجور في العقد المقبل. وأقدر أن يؤدي المشروع إلى زيادة الاستثمارات في الولايات المتحدة في المستقبل القريب.

ولا شك في أن نمو الاستثمارات، وهي اليوم متدنية المستوى، لا يتعلق بمعدل الضريبة على الشركات، وحده، إلا أن الإصلاح الضريبي المنتظر قد يحرك عجلة الإنتاج والإنتاجية والأجور. والسؤال يتناول الوقت الذي يحصل فيه التحريك هذا. وإذا لم يؤتِ الإصلاح ثماره قبل انتخابات 2018 النصفية أو انتخابات 2020، قد تنجم عن هذا التأخير نتائج سياسية خطيرة. فإرجاء جنى الأرباح ربما حمل الديموقراطيين على إلغاء إجراءات الإصلاح البارزة حين عودتهم إلى الحكم. وينبغي أن تحسن الحكومات معالجة زيادة مخصصات المعاشات التقاعدية وكلفة الطبابة والدواء. وتتعاظم هذه الزيادة منذ عقود، وقد تقود إلى أزمة إذا أرجئت معالجتها. فالرعاية الاجتماعية باهظة الكلفة، وتقلص كلفتها الموازنات الأساسية، مثل موازنة الدفاع، وتسبب ارتفاع الضرائب، وهذا الارتفاع يكبح النمو.

وعلى أوروبا، خصوصاً، ألا تنتشي بعودة النمو الدورية وعوائدها المنظورة. فحري بمنطقة اليورو أن تعالج مشكلة «مصارفها الطيفية»، وعلى بلدان أوروبية كثيرة أن تقلص مديونيتها العامة، وتقر إصلاحاً بنيوياً لسوق العمل فيها، على شاكلة ما يقوم به الرئيس ماكرون في فرنسا. وأخشى، للأسف، أن تتقطع الإصلاحات البنيوية وتتبعثر. وهي تنطوي على أخطار لا تنكر. ومباشرتها قد تستفز ردوداً سياسية تلحق الضرر في الاستثمار على المدى البعيد. ويبقى النمو ضعيفاً إذا لم تقر هذه الإصلاحات. فلا تقوم زيادة الأجور وفرص العمل بعبء تقليص بطالة اليد العاملة الفتية والشابة. وهذه البطالة فتيل انفجار مؤجل.

ويؤمل أن تتفادى منطقة اليورو أزمة عملتها الموحدة. وهذا الأمر مرهون بنجاح المستشارة الألمانية أنغيلا مركل في تشكيل حكومة ائتلافية تتعهد الاستقرار السياسي في القوة الاقتصادية الأوروبية الأولى. وعلى الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة أن يعقدا اتفاقاً معقولاً على شروط خروج بريطانيا من الاتحاد، يتيح للطرفين المحافظة على روابط تجارية متينة. فتراجع التجارة ولو موضعياً، تترتب عليه أضرار عامة كبيرة. ويرجى، ما وراء حدود أوروبا، أن تثمر المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك على معاهدة التبادل الحر الشمال أميركي (ألينا) تحسيناً في شروط المبادلات التجارية الأميركية. وأشد ما يُخشى هو أن تخوض حكومة ترامب منازعات تؤدي إلى خسارة- خسارة، وذلك نتيجة مسعى ترامب في مساعدة عمال القطاع الصناعي السلعي في بلاده.

وحريّ بالإجراءات التي تتناول تكنولوجيات الإعلام والتواصل أن تستجيب على نحو متوازن المشاغل المشروعة والمتناقضة أحياناً التي تبديها الأطراف المختلفة. وهذه التكنولوجيات مناط آمال كبيرة. فالتقدم التقني قد يثمر أرباحاً اقتصادية عظيمة. ولكن النفوذ الذي تحوزه بعض شركات القطاع، ويرسخ موقعها الاحتكاري في مجال التوزيع والمضمون المتاح، يثير قلقاً مشروعاً. ويبعث القلق كذلك أثر التكنولوجيات الجديدة في صون الحياة الخاصة وإنفاذ القانون والأمن الوطني، والتشريع الذي يدرس قبل إقراره قد لا يكون مناسباً، وقد يكون قاصراً أو مفرطاً. ولا يبعد أن ينقلب الرأي العام على كبرى شركات التكنولوجيا الدقيقة، لا سيما إذا أدى ضعف انضباط ذاتي أو رفض الالتزام بالتشريع إلى طريق مسدودة ترتبت عليها كوارث باهظة الأثمان. وأرى أن بلوغ تشريع وتنظيم مناسبين يقتضي سنوات من الاختبار والمداولة. ولست أشك في أن المنافسة والابتكار قادران على الاضطلاع بدورهما أياً كان التشريع. والقضاء على الإرهاب، حيثما ينشر الخراب والقتل، أمنية تلقى الإجماع. وكذلك الأمل في إطفاء النزاعات، وفي تجديد الديموقراطية والرأسمالية توثبهما. وعسى أن يجد التهذيب والاستقامة مكانتهما في الحوار السياسي.

 

 

* أستاذ الاقتصاديات في ستانفورد يونيفرستي وشريك ممتاز في هوفر إنستيتيوشين، عن موقع «بروجيكت سانديكايت» الدولي، 22/12/2017.

إعداد منال نحاس


الأكثر قراءة في معلوماتية واتصالات
المزيد من معلوماتية واتصالات