من نافل القول إن الحفاظ على الدولة السورية وضمان عمل مؤسساتها أهم بنود الاتفاق الدولي للحل السياسي في سورية. بيد أن هذا الاتفاق لم يحدد درجة مركزية الدولة السورية، مما جعل هذا الموضوع عرضة للتجاذبات السياسية بين جميع القوى المسيطرة على...

عن اللامركزية ودور الدولة في سورية

منى_غانم |

من نافل القول إن الحفاظ على الدولة السورية وضمان عمل مؤسساتها أهم بنود الاتفاق الدولي للحل السياسي في سورية. بيد أن هذا الاتفاق لم يحدد درجة مركزية الدولة السورية، مما جعل هذا الموضوع عرضة للتجاذبات السياسية بين جميع القوى المسيطرة على الأراضي السورية. فطرحت الفيديرالية وكذلك اللامركزية الإدراية كأحد الحلول السياسية، لضمان حقوق السوريين في المشاركة السياسية وتجاوز الغبن السياسي الذي عانت منه بعض القوى والمجموعات في العقود الماضية. أما السلطة الحالية فما زالت متمسكة بمركزية الدولة ولا ترى في محاولات إنشاء أشكال من الإدارات الذاتية أو المجالس المحلية إلا حالة موقتة فرزتها الحرب وستزول بانتهاء الصراع وعودة سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية.

إن الدفع بمثل هذه الطروحات السياسية كأساس للحل السياسي لا يعالج أصل الصراع في سورية، إذ إن هذه الطروحات تقوم على الخلط بين قوة الدولة ومهامها. فالمشكلة في سورية لم تكن أبداً قوة الدولة بقدر ما كانت هيمنتها على جميع قطاعات العمل العام بالمطلق، وانعدام الحريات السياسية الضامنة حقوق كل السوريين وكذلك غياب المجتمع المدني وضعف التنمية المحلية القائمة على مشاركة الناس في تنمية مناطقهم والإشراف عليها بمبدأ الشراكة المحلية والإحساس بالانتماء المحلي كتعبير عن الانتماء الوطني.

كما أن طرح تشكيل اللامركزيات في سورية بأي درجة من درجاتها أو بأي شكل من أشكالها يتطلب توافر ظروف موضوعية تسمح بنجاحها، لتكون عاملاً مثبتاً السلامَ وليس دافعاً لإشعال حروب جديدة. فمن الواضح أن هذه الظروف الموضوعية غير متوافرة اليوم، إذ إن إنشاء اللامركزيات في ظل استقطاب سياسي عرقي أو طائفي سيعزز دعوات الانفصال لإنشاء كانتونات منفصلة عن بعضها، متقاتلة في ما بينها. ففي الوقت الذي تعمل فيه حكومة الإنقاذ في ادلب على إنشاء فيديرالية هناك تقوم على أسس الدولة الإسلامية، ينشغل مجلس سورية الديموقراطية بإنشاء فيديرالية على أسس علمانية، الأمر الذي يجعل من هذه الفيديراليات المتبانية سياسياً وتنموياً وصفة ناجحة لإعادة إنتاج الصراع وتقسيم البلاد وتسهيل التدخلات الدولية الخارجية السياسية والمالية.

كما أن استمرار انتشار السلاح في المناطق المختلفة يهدد أي اتفاق بين المركز واللامركزيات التي ستصبح قراراتها السياسية تحت سيطرة من يملك السلاح، وسيسمح بسيطرة السيـاسة التي يحتكم أصحابها للسلاح عند أي خلاف محلي أو وطني مما يجعل الاستقرار السياسي والأمـن الوطني وكذلك تحقيق التنمية المستدامة حلماً صعب المنال للسوريين.

إن إقرار اللامركزية بأي درجة منها قبل ثبات الحل السياسي الوطني سيسمح للسياسيين المحليين بالهيمنة على فضاءات العمل السياسي والسيطرة الشمولية على الفضاءات السياسية المحلية، وكذلك العمل على إفشال أي محاولة للتسوية مع السلطة المركزية، مما سيجعل الأقليات الموجودة في المناطق المحلية تشعر بالغبن والخوف لغياب أو ضعف سلطة مركزية قد تشكل لهم في حال وجودها ملاذاً حامياً من غبن النخبة السياسية المحلية المسيطرة.

أخيراً، إن هذه الطروحات كلها لا تأخذ في الاعتبار الوضع الراهن للدولة السورية التي أنهكتها الحرب، وجعلتها تفقد سيطرتها على جزء كبير من الأراضي السورية نتيجة للصراع الدموي الذي شهدته البلاد في السنوات السبع الأخيرة. ويصبح من البديهي القول إن الدولة السورية خسرت جزءاً كبيراً من قوتها كدولة مركزية قوية، وبالتالي لا يمكن اتخاذ قرار في شأن درجة مركزية الدولة قبل أن يتم العمل على إعادة إنتاج دولة قوية تضمن وحدة الأراضي وسيادة الدولة وتعمل على تعزيز إطار قانوني شامل وناجح أساسه فرض سلطة القانون على كامل الأراضي السورية.

وربما كان على السوريين أن يستفيدوا من تجاربهم خلال سنوات الحرب، إذ تم تأسيس مجالس محلية في المناطق التي خرجت عن سلطة الدولة، وقد عملت هذه المجالس من دون أن يكون لـ «الائتلاف» أي سلطة سياسية عليها، على رغم اعتبار الأخير الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري. بيد أن هذه المجالس لم تستطع الصمود نتيجة العديد من العوامل الذاتية والموضوعية، وأهمها غياب سلطة وطنية جامعة تعمل على التخطيط الاستراتيجي لعمل هذه المجالس وتعزز التنسيق بينها، وكذلك غياب الأمان وسلطة القانون.

وباختصار، فغياب الدولة المركزية لا ينتج ديموقراطيات أو مشاركات محلية بالضرورة، بل إن وجود دولة قوية ديموقراطية بعد الحرب ضرورة لحماية الديموقراطيات المحلية الهشة، وكذلك هو عامل أساسي لتطوير إطار اقتصادي شامل لكل الفضاء السوري، والسيطرة على الفساد الذي عززته الحرب، وتطبيق سلطة القانون. وخلاصة القول إن مناقشة اللامركزيات قبل الاتفاق على الحل السياسي وضمان نجاحه، ما هي إلا وضع البذور لتقسيم وتفتيت سورية وإعادة إنتاج الشمولية والفساد مرة أخرى. إذ لا يمكن سورية أن تبقى موحدة الجغرافيا وتصبح عامل استقرار وأمان في المنطقة إلا بتحقيق الحل السياسي الذي يقوم على إعادة قوة الدولة التي تنظم وتشجع الحريات السياسية والمدنية. ولكي يكون هذا الحل مستداماً يجب أن تتوافر الظروف التي تسمح بالتئام شمل الجميع في دمشق، فلا حل سياسياً خارجها.

 

 

* كاتبة سورية، ناشطة في «تيار بناء الدولة السورية»


الأكثر قراءة في شباب
المزيد من شباب