هل التحرش الثقيل جزء من مستلزمات الغزل؟ هل هناك «حق بالإزعاج» ضروري لصون الحرية الجنسية؟ هذا رأي خمس نساء شهيرات نشرن قبل أيام نصاً في صحيفة «لوموند» الفرنسية يعلنّ فيه ضيقهن بحملة «وأنا أيضاً» العالمية ضد التحرش والاعتداء على النساء،...

حدود التحرش: سجال فرنسي جداً

نهلة_الشهال |

هل التحرش الثقيل جزء من مستلزمات الغزل؟ هل هناك «حق بالإزعاج» ضروري لصون الحرية الجنسية؟ هذا رأي خمس نساء شهيرات نشرن قبل أيام نصاً في صحيفة «لوموند» الفرنسية يعلنّ فيه ضيقهن بحملة «وأنا أيضاً» العالمية ضد التحرش والاعتداء على النساء، التي انطلقت إثر افتضاح هارفي وينستين، المنتج السينمائي الأميركي وأحد أباطرة هوليوود الذي كان مغتصِباً ومستغلاً لسلطته وبالخصوص على ممثلات ناشئات، وحاول قبل انطلاق الشهادات ضده شراء سكوتهن بالمال أو بالتهديد.

وقّعت النص مئة امرأة أغلبهن معروفات للغاية، ولكن أبرزهن الممثلة كاترين دونوف، فصار النص وكأنه لها. يقلن: «هناك إدانة علنية وتشهير بأشخاص توضع أفعالهن على المستوى نفسه مع المعتدين جنسياً». ويحذرن من «الذهاب بعيداً»، وأن الحملة تخدم المتطرفين دينياً والرجعيين، وأن الرجال صاروا خائفين من أي كلمة، وأنها «طهرانية من العصر الفيكتوري»، بينما جريمتهم «محاولة سرقة قبلة ولمس ركبة والخوض بكلام حميم في عشاء عمل أو بعث رسائل نصية» (حتى ليكاد المرء يشفق عليهم!). وهن يعتبرن أنه غزل بغض النظر عن استجابة النساء المستهدَفات، بل يرين أن «الاحتكاك العمد» الذي غالباً ما يمارس في المترو والباصات المكتظة شيء تافه (من الواضح أنهن كن دائماً مالكات لسياراتهن الخاصة ولسائق يتولاها في زحام المدن الكبرى!)، وأخيراً «أن منع الاعتداء على النساء هو من مسؤوليتهن، وعليهن أن يعرفن كيف يضعن حداً له، وأنه يجب تربية الصغيرات ليتمكنّ من عدم الخضوع» (من دون كلمة عن تربية الصبيان الصغار، وهو ما يذكِّر بفرضية ما زالت شائعة تقول إن المغتصَبات مسؤولات عن اغتصابهن لوجودهن في مكان غير ملائم أو لارتدائهن ثياباً غير محتشمة... علماً أن ذلك إحصائياً غير صحيح على الإطلاق).

وكانت كاترين دونوف قد دافعت عن رومان بولنسكي ضد محاولات محاكمته بتهمة اغتصاب قاصرات، على اعتبار قِدم الجريمة، وكثيراً ما عِيب عليها موقفها هذا. وبعد يوم من صدور النص، أجابت إحدى النسويات من الملتزمات بحملة «وأنا أيضاً»، على تلك المواقف والحجج نقطة بعد أخرى. وقد وقّع النص معها عشرات النساء كذلك، حيث يلاحظ أنهن شابات وأن من بينهن من هنّ مِن الأحياء الشعبية والضواحي ومن هن مِن أصول عربية أو أفريقية، فيما السيدات الأوائل متقدمات في السن إجمالاً، وفرنسيات «أصيلات»، ومشهورات على الأغلب. وبدا وكأن في الأمر صراع أجيال معطوفاً على صراع طبقي، لا سيما في مقطع من النص الثاني الذي يقول إن «معظم هؤلاء السيدات مستعدات لإدانة الذكورية حين يُعبّر عنها رجال من الأحياء الشعبية. ولكنهن يرين في اليد الممتدة إلى مؤخرة امرأة من قبل رجل من وسطهن الاجتماعي ما يسمينه حقاً في الإزعاج».

السجال لم يتوقف عند حد المبارزة بين النصين- العريضتين، إذ انضمت إليه أصوات أخرى من بينها مارلين شيابا الوزيرة الفرنسية المفوضة بملف المساواة بين الرجال والنساء التي صرحت بعدم موافقتها على مضمون النص الأول. وقد جاء الجواب الأكمل من ميشيل بيرّو، وهي مؤرخة كبيرة مختصة بتاريخ النساء وتحمل صفة «بروفسور مميز» وصاحبة كتب وأبحاث شهيرة. وهي اعتبرت أن تلك النساء الشهيرات اتخذن موقفاً متعالياً ينم عن عدم اعتبار أنفسهن معنيات بمأساة شقيقاتهن (نعتتهن بأنهن «حُرّات ومنتصرات»)، بينما كان الأجدر بهن توظيف شهرتهن وخبرتهن لدفع الحملة ضد التحرش إلى الأمام. وترى في موقفهن من الحملة نوعاً من الاستعادة لصورة المرأة المزعجة التي تخرب المسرّات. وهي تقول إنه ليس كل الرجال مقتنصين، وإن إدانة اقتناص بعضهم لا يمثل تعميماً لم يصف به أحد كل الرجال، وأن حملة «وأنا أيضاً» ضمت رجالاً كثيرين متضامنين مع أولئك النساء.

وهي تجد الجملة التي تقول إن «الحوادث التي تمس جسد المرأة لا تصيب بالضرورة كرامتها، والنساء لسن مختصرات بأجسادهن، وحريتهن الداخلية لا يمكن انتهاكها»، لا تطاق. وتدعو لقراءة نقدية للأعمال الفنية والأدبية (من دون تحريمها بالطبع) لأن ذلك يسمح لنا «بفهم المنظومة التي نعيش في ظلها والتمثيلات التي نخضع لها». وتنهي مقابلتها باستعراض تاريخ النضال النسوي من أجل الحقوق والكرامة والمساواة، معتبرة أن حملة «وأنا أيضاً» هي نداء للرجال كي يتغيروا كما تغيرت النساء بفضل حقوق ومنجزات كحبوب منع الحمل مثلاً التي جعلتهن يسيطرن على أجسادهن وعلى الإنجاب وفصلت بينه وبين الممارسة الجنسية. وقد كانت المؤرخة واحدة من بين نساء عديدات رغبن بإبداء وجهة نظرهن النقدية حيال نص «الحق بالإزعاج»، ما جعل السجال كثيفاً وغنياً.

وهو تجاوز حدود فرنسا ولغتها، فعكسته صحف ومجلات عالمية، من بينها «الغارديان» البريطانية التي قالت إحدى صحافياتها إن الأمر «يحتاج لكفاءات مختلفة وأعلى من مجرد أن يكون المرء نجمة سينمائية»، و «نيويورك تايمز» الأميركية التي قالت إحدى رساماتها إن «موقف كاترين دونوف من التحرش كان ليختلف كثيراً عما هو عليه اليوم لو لم تكن الممثلة فائقة الجمال وشديدة الثراء وبيضاء وتعيش في فقاعة من الامتيازات، ولو كان عندها شيء من حس التعاطف مع الآخرين». كما اعتبرت صحف أخرى أن في هذا النص تجسيداً لخصائص ثقافية وتاريخية فرنسية.

لكن نص السيدات وجد تأييداً أحياناً، وثُمن لأنه نشرٌ لأكثر من رأي متناقض وهي ضرورة لمنع هيمنة مقاربة بعينها في مرحلة ما، واعتبر أنه يدخِل تلاوين واستدراكات ضرورية لنضوج المواقف.

وعلى رغم خصوصية فرنسية مؤكدة تشتهر بحب السجال إلى حد الوقوع في الاستعراض الفكري أو في الافتتان بالكلام بذاته، فهذه الموجة من المواقف تعبِّر عن تغير ما كبير- تاريخي- جارٍ في العلاقات السائدة وفي المواقع والأدوار. هناك عالم آفِل، ولو أنه يقاوم ويعاند، إلا أنه خاسر من دون أن يكون قد امّحى: صارت النساء متعلمات ومستقلات مالياً ومتحررات من القيود السابقة ومتحكمات بمصائرهن على كل الأصعدة. ومن الطبيعي أن تكون هذه خضة كبيرة. ومن الطبيعي كذلك أنَّ تَبلور الاستنتاجات الجديدة واستقرارها في العقول والقلوب سيتخذ مساراً متعرجاً ويستغرق وقتاً.


الأكثر قراءة في
المزيد من