ما حصل أخيراً من تظاهرات احتجاجية في مدن إيرانية متفرقة بما في ذلك العاصمة طهران، لن يزعزع أركان النظام لأن هذا الأخير لديه من المناعة والقوة الباطشة ما يكفي لمنع هذا النمط من الاحتجاج من التحول إلى «ربيع إيراني»، وفق ما أخطأ البعض في...

ليس إسقاط الحكم في طهران بل إنهاء تدخله في المنطقة

مصطفى_كركوتي |

ما حصل أخيراً من تظاهرات احتجاجية في مدن إيرانية متفرقة بما في ذلك العاصمة طهران، لن يزعزع أركان النظام لأن هذا الأخير لديه من المناعة والقوة الباطشة ما يكفي لمنع هذا النمط من الاحتجاج من التحول إلى «ربيع إيراني»، وفق ما أخطأ البعض في توقعاته. ولكن، من المرجح أن يتكرر بين حين وآخر إذا لم تتريث السلطة الإيرانية بشقيها «الثوري» والمدني، قليلاً للتأمل في الأسباب الحقيقية لهذا التعبير الشعبي الغاضب عن الحالة العامة.

فمهما قال المرشد الأعلى والحاكم المطلق في إيران عن أن ثمة «جهات خارجية» وراء تظاهرات الاحتجاج الأخيرة، فإن هذا لا يغير من حقيقة الوقائع الداخلية المتعلقة بالغلاء واتساع الهوة بين الغنى والفقر وانتشار ظاهرة «الأثرياء الجدد» المقربين من النظام، وتصاعد معدلات البطالة المخيفة وسط فئات الشبان الذين يشكلون غالبية السكان في البلاد. صحيح أن صاحب القرار الفعلي في إيران هو المرشد الأعلى علي خامنئي الذي يمنحه الدستور سلطات مطلقة للفصل في شؤون الدولة كلها بما في ذلك قرار الحرب والسلم، لكن كلامه عن التظاهرات لا يلغي الوقائع والأسباب الكامنة وراءها، كما لا يخفي حقيقة أن طهران تتدخل في أكثر من مكان في المنطقة.

والرد على هذه التظاهرات الشعبية المتميزة بتواضعها من حيث الحجم في الأقل، بعد البطش بها واعتقال نحو 3700 إيراني، جاء عبر تنظيم الدولة تظاهرات موالية مضادة وضخمة تماثل تظاهرات التأييد لأنظمة دول الجوار، كأن النظام في إيران يريد أن يؤكد أنه بلا منازع على سلطته تحت أي ذريعة. لدى نظام طهران القدرة على إطلاق تظاهراته في أي وقت يشاء وعلى قمع تظاهرات الاحتجاج أيضاً، ولكن أهمية هذه الأخيرة أنها تذكّر بأن أسبابها لا تزال قائمة إن لم تكن قد باتت أسوأ. فهي تعبر عن رأي عام لمواطنين ضاقوا بشظف العيش وهم يرون فساداً حكومياً يتفشى ويتخذ أشكالاً عدة المستفيد الأهم منها وحدات «الحرس الثوري» التي تسيطر، وفق التقديرات، على أكثر من 40 في المئة من الثروة الاقتصادية للبلاد، وتتفوق بذلك بنسبة كبيرة على قدرات مؤسسة الجيش الوطنية.

أضف إلى ذلك أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية ومستوى المعيشة عموماً هو ما أثار الحراك الشعبي الأخير وليس فقط الاستياء من سياسة الحكومة الإقليمية بالضرورة. لقمة الخبز هي المسألة الأساسية، هي قضية الحياة أو الموت التي تحرك الجماهير عادة قبل أي شيء آخر، وهذا ما حدث في أكثر من بلد في المنطقة. ولكن، كما هي عادة الأنظمة عندنا، فاللوم يوجَّه دائماً إلى قوى خارجية تخطط في الظلام، وليس إلى أخطاء النظام وعدم اكتراثه بمصالح غالبية الشعب.

فالذي يزيد من غضب الرأي العام أن الضائقة الاقتصادية الحادة تحدث في بلد منتــــج رئيسي للطاقة وهو ثالث أكبر منتجــــي أوبك. أضف إلى ذلك أن ثمة أسئلــــة كثيرة حول مصير المكافأة الضخمة التي حـــصل عليها النظام إثر توقيع اتفاق الملف النووي قبل عامين والمقدرة بنحو مئة مليار دولار أُفرج عنها بعد رفع الحصار جزئياً عن إيران، وفقاً لأحد بنود الاتفاق. وكان ينتظر أن تستخدم هذه الأموال في فك الضائقة الاقتصادية وإنعاش سوق العمل، لكنها توجهت بدلاً من ذلك إلى خارج الحدود الإيرانية لتمويل ميليشيات عدة في الإقليم وأهمها تلك التابعة لـ «حزب الله» اللبناني، وإنقاذ أنظمة بالية ولكنْ موالية لطهران في مقدمها نظام بشار الأسد في دمشق.

ويتباين حجم مساعدات طهران النقدية والعينية لحلفائها في العراق وسورية ولبنان واليمن لكنها تقدر بالمليارات، إذ يبلغ تمويل «حزب الله» المباشر بين نصــــف مليار ومليـــار دولار سنوياً، كما يتم تزويــــد نظام دمشق بنحو 60 ألف برميل نفط يومياً عدا عن تسديد قيمة جزء من فواتير تكاليف التجهيز العسكري للقوات السورية، بخاصة «قوات الدفاع الوطني» التي توازي الجيش السوري والمجهزة علـــى غرار «الحرس الثوري». يذكـــر في هذا الصدد أن حركة «حماس» انضـــمت أخيراً إلى لفيـــف المتمولين من طهران بحدود 60 مليون دولار سنوياً وفقاً لمجلس التفاهم العربي - البريطاني، بعد تجفيف موارد قطر، كما أن التمويل الإيراني لحركة الحوثي في اليمن في تصاعد مستمر.

علامَ تحصل إيران مقابل هذا التمويل الهائل؟ إنه تمويل يسير في اتجاه واحد، تمويل لا استثمار، تمويل من دون عوائد. عملياً، من يحصد بعض عوائد هذا التمويل هو وحدات «الحرس الثوري» الذي يفوز بعقود إعادة البناء وبعض صفقات العقار الكبرى في سورية والعراق، إلا أن هذا لا يعود بأي نفع مباشر على المواطن الإيراني العادي الذي يعاني من الغلاء ومعدلات بطالة مرتفعة، والذي يخرج للتظاهر في مدن إيران المختلفة. واضح أن التدخل الخارجي لا يؤدي إلى نتائج ملموسة وتاريخ المنطقة المعاصر مليء بالتجارب الفاشلة، من تدخل مصر في اليمن في عقد الستينات وتدخل سورية في لبنان في نهايته ومطلع الألفية الجديدة، إلى تدخل إيران وتمويلها المعاصر حكومات وميليشيات عدة في المنطقة، والذي لم يجلب غير الكوارث والخراب لشعوب الدول التي تتدخل فيها، والجوع والإفقار للإيرانيين على حد سواء.

إن المرشد الأعلى ورئيس الجمهورية وقائد «الحرس الثوري» يعلمون علم اليقين أن أياً من دول الجوار لا تعمل ضد نظامهم ولا تخطط لإطاحته. إن جلّ ما تقوم به هذه الدول هو الدفاع عن نفسها والسعي من أجل بقائها أمام الخطر الإيراني الراهن. ولكن، من غير المعتقد أن تتعلم طهران من درس التظاهرات الأخير وأن تسعى إلى معالجة مسبباتها وتعيد النظر في سياستها الخارجية وتنسحب من مناطق الأزمات. إنها تكتفي بالتصرف على أساس أن ما حصل مجرد مؤامرة خارجية.


الأكثر قراءة في
المزيد من