أثار انــــتـــخاب دونالد ترامب، في ليلة 8 تشرين الثاني (نوفمبر) الى 9 منه في 2017، دهشة صاعقة. وعلى سبيل العزاء، تذكر رجال الأعمال انتخاب رونالد ريغان في تشرين الثاني 1980، والرجلان جمهوريان خارجان على الحزب الجمهوري دخلا البيت الأبيض....

عوامل هيمنة الدولار الأميركي على الأسواق المالية العالمية... لم تضعف بَعد

جان_–_بيار_روبان |

أثار انــــتـــخاب دونالد ترامب، في ليلة 8 تشرين الثاني (نوفمبر) الى 9 منه في 2017، دهشة صاعقة. وعلى سبيل العزاء، تذكر رجال الأعمال انتخاب رونالد ريغان في تشرين الثاني 1980، والرجلان جمهوريان خارجان على الحزب الجمهوري دخلا البيت الأبيض. وشعار حملة ترامب، «تجديد عظمة أميركا» (أو رد العظمة الى أميركا)، هو شعار حملة ريغان قبل 37 سنة تقريباً. وغداة شهر على انتخاب ترامب، ارتفع سعر صرف الدولار إحدى أعلى نسب ارتفاع في تاريخه، نحو 6 في المئة بإزاء اليورو. وعاد ذلك بالذاكرة الى صيف 1985، حين بلغ الدولار 10.55 فرنك، أي ما يساوي 0.6228 يورو نظير دولار واحد، وهو نصف سعر صرف الدولار اليوم.

ولكن النشوة لم تدم. فريغان كان صاحب استراتيجية جغرافية سياسية أفضت الى تصدع الإمبراطورية السوفياتية، أما ترامب فشخصية نرجسية، تجمع الحمائية الضيقة والانعزالية الى نرجسيتها المفرطة. وهو، على صعيد السياسة الدولية، رئيس أخرق يقدم من غير تبصر على التملص من الأحلاف التجارية والمعاهدات. فمزق اتفاق الشراكة عبر (المحيط) الهادئ والاتفاق وقع في شباط - فبراير 2016) واتفاق باريس حول المناخ، وهو وقع في كانون الأول - ديسمبر 2015).

ولكن قوة نقدية ومالية عظمى لا تساس بسياسة الاستبداد والانفراد، وعليها إلهام شركائها الثقة والاطمئنان. فهل يمهد نزيل البيت الأبيض بقراراته المرتجلة لزعزعة الهيمنة الأميركية المالية؟ فالسنة الأولى من ولاية دونالد ترامب هي أسوأ سنة شهدتها العملة الأميركية منذ 2002، وخسرت 9.6 في المئة من سعر صرفها مقارنة بـ19 عملة أساسية تتداولها بلدان المجتمع الدولي، في 2017. وبلغت خسارتها 12.6 في المئة حيال اليورو. والدولار، على حسبان الأميركيين، هو ركن النظام النقدي الدولي، والعملات الأخرى تعلو وتهبط قياساً عليه. وهذا مصدر قوته وتفوقه.

وهذا الدور المركزي منصوص عليه في اتفاقات بريتون - وودز، شرعة السياسات النقدية منذ 1944 غداة الحرب. وتنص الشرعة على أن الدولار هو العملة الوحيدة التي يجوز تحويلها الى الذهب مباشرة. وتحتسب قيمة العملات الأخرى ذهباً بعد تسعير صرفها بالدولار. وحمل الغضب على هذا النظام الجنرال ديغول على الطلب الى وزير مالية فرنسا، فاليري جيسكار ديستان، تجهيز بارجة عسكرية وتحميل الذهب الفرنسي المودع وراء الأطلسي عليها. وندد جيسكار ديستان بـ «امتياز الدولار المفرط»، فسارت ملاحظته في الناس، ولا يزال خبراء المال يلهجون بها الى اليوم.

وعلى رغم قطيعة الدولار مع الذهب (ريتشارد نيكسون في 15/8/1971) لم ينزل عن مركزيته. ويقدر صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية بـ42 في المئة من التجارة العالمية قيمة المبادلات المسعرة بالدولار، وبـ59 في المئة القروض المصرفية. وتحرص المصارف المركزية على ألا يقل احتياطها النقدي بالدولار عن 64 في المئة من مجمل احتياطها. ويضطلع الدولار على الصعيد العالمي بوظائف العملة الثلاث التي عرفها أرسطو قبل 2500 سنة: وحدة الحساب، ووسيلة التبادل، واحتياط قيمة.

وضعف سعر الصرف لا يطعن في الهيمنة. «والعملة الضعيفة والدولية لا تترددى أهميتها في المبادلات، ويتوقع أن يحتفظ الدولار بدوره على ما هو عليه، يرى برونو كولمان، عضو المجلس التنفيذي في مصرف ديغروف بيتركام. ويؤيد هذا الرأي أن الضعف ناجم عن عوامل ظرفية: «فقرب نهاية التسهيلات الكمية النقدية الأوروبية، في أواخر أيلول (سبتمبر) على الأرجح، عامل مسانَدة لليورو وعامل إضعاف للدولار»، يلاحظ ويليام دي فيلدر، مدير البحوث الاقتصادية في باريبا. ولا تختصر أسعار الصرف موازين العلاقات بين العملات، وعلى الخصوص حين تزاول المصارف التسهيلات الكمية النقدية والقروض السائلة وغير المدونة، وتشتري من الأسواق المالية سندات تتيح لها إصدار كمية كبيرة من السيولة. ويترتب على هذه الوفرة، تلقائياً، إضعاف سعر صرف العملة الوطنية التي يزاول بلدها مثل هذه التسهيلات. وهذا هو السبب في ضعف الدولار في الأعوام 2011-2014، وفي ضعف الدولار بين 2015 وبين ربيع 2017.

ويترتب على التسهيلات الكمية مفعول ثانٍ يعود على الولايات المتحدة بالربح، على نحو ما يشرح أنطون بريندير، من صندوق كاندريام: «بلغت التسهيلات الكمية التي توسل بها المصرف المركزي الأوروبي من التوسع مبلغاً هائلاً فاق 2000 بليون يورو، وهذا دعا المستثمرين الأوروبيين الراغبين في الحصول على سندات دول مضمونة، الى شرائها من السوق الأميركية، فجنب ذلك الفوائد على سندات الحزينة الأميركية الارتفاع، على رغم ميل سياسة الاحتياط الفيديرالي الى التشدد». ويجني ترامب، المركنتيلي المعلن، من وراء هذه السياسة عوائد عظيمة. فهو لا يتستر على رغبته في دولار ضعيف تنفخ رياحه في أشرعة «صنع في أميركا». ولم تؤدِ موازنته التحفيزية الى تردي شروط تمويل الشركات والأسر ما وراء الأطلسي، على ما كان ينبغي أن يترتب على تقليص الضرائب. وهذا كذلك من مترتبات التسهيلات الكمية التي بادر إليها المصرف المركزي الأوروبي.

والتشدد النقدي الذي يتوسل به الاحتياط الفيديرالي لم يؤدِ الى اليوم الى ارتفاع سعر صرف الدولار ولا الى ارتفاع الفوائد على السندات الأميركية. ويصف مصرف التحكيمات الدولية في بازل الأمر بـ «اللغز». ويبعث على القلق «مصرف المصارف المركزية» في تقريره الصادر في كانون الأول (ديسمبر) 2017. وتفسير اللغز هو أن ماريو دراغي «يصب في الصحون الحساء الأميركي» على المعنى الحرفي للعبارة. فحتام يسع ترامب الاستفادة من نهج مالي لا يرتب عقوبة ولا حساباً؟ ولماذا يسع الولايات المتحدة مراكمة عجز مدفوعاتها الخارجية، سنة بعد سنة، منذ عقد 1960 وحرب فيتنام، من غير جزاء الدولار وتسديده حساباً عن هذا؟ وهذه الحال هي ما استدرج نيكسون الى قطع أواصر الورقة الخضراء بالذهب، خشية طلب أمثال ديغول تحويل دولاراتهم الى ذهب من الـ8133 طناً المودعة في فورت نوكس. وكان حساب نيكسون صائباً.

فمنذ خلع الذهب عن مرتبته لم يبق شيء محظوراً في حقل الاقتصاد، وأمسى الاحتياط الفيديرالي، ومعه النظام المصرفي الأميركي، مصرف العالم المركزي من غير أعباء ولا ثمن لبقاء هذا الدور، على رغم تعاظم المديونية الأميركية. أليس دور المصرفي أن يعظم عائد مال الآخرين؟ ويصف أنطون بريندير الحال وصفاً بسيطاً ودقيقاً، فيقول: «تبلغ مديونية الولايات المتحدة مقدار ناتجها الداخلي الإجمالي ونصف هذا الناتج (ويبلغ ناتجها 19 ألف بليون دولار)، من جهة، وتبلغ ديونها على باقي الدول، من الجهة الأخرى، مقدار ناتجها. ولما كانت هذه الديون أصولاً معرضة للأخطار ارتفعت عوائدها وفاقت قيمة العجز في ميزان المدفوعات (سندات خزينة الولايات المتحدة)، وبلغ الفرق 1 في المئة من الناتج في السنة الواحدة».

ولم يقتصر الأميركيون على أداء دور مصرفي القرية العالمية فقاموا بعمل كاتب عدل القرية، ومكتب تحرير عقود الزواج فيها والاستملاكات والمواريث. وتتولى هذه الوظائف مصارف الاستثمار الخمسة: بنك أوف أميركا وميريل لينش، وسيتي غروب، وغولدمان ساكس، وجي بي مورغان تشيز ومورغان ستانلي. وتنظم هذه المصارف عقود اندماج الشركات واستحواذها، ولا تنفك عن تعظيم حصصها من العوائد («التورتة») في أنحاء القارات. وكانت «جماعة الخمسة» تسيطر على 37.2 في المئة من السوق الأوروبية قبل الأزمة، وهي تتولى الإشراف على 44.6 في المئة من هذه السوق، اليوم، على تقدير معهد بروغيل في بروكسيل.

وعلى هذا، «فامتياز الدولار لا يزال قائماً وثابتاً، فهل يتهدده بالتلاشي بروز خطر سياسي في الولايات المتحدة؟»، يتساءل باتريك آرتوس، الاقتصادي الأول في ناتيكيس للاستثمار. وكان باراك أوباما، الرئيس الأميركي السابق، عمد الى إفشاء السر مبرراً غلبة العملة الخضراء المطلقة منذ أواخر الحرب العالمية الثانية: «إننا ننفق على قواتنا المسلحة عشرة أضعاف ما تنفقه البلدان العشرة التي تلينا مرتبة مجتمعة على قواتها» (من حديث الى مجلة «فوكس» قبيل نهاية ولايته). ويفضي هذا الى نشوء شبكة مدينين بالولاء لقاء الحماية العسكرية وضمانها. فاليابان، أخيراً، عاد مشترياً كبيراً لسندات الخزينة الأميركية في أعقاب تعاظم التوتر في بحر الصين.

ويتمسك باري إيشينغرين، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا والشريك في كتاب «كيف يعمل نظام العملات الشامل» (2017) بالقول إن هيمنة عملة واحدة استثناء لا سابق له في التاريخ. وحين سئل عن الصدمات التي قد تؤدي الى انقلاب الحال عدد: «فشل الكونغرس في رفع سقف الدين الفيديرالي، أو نشوب حرب تجارية» فعند ذاك قد يرى المستثمرون الأجانب أن سندات الخزينة الأميركية لا تتمتع بالضمان المرتجى.

ويرجح دوام دور الدولار وتفوقه شكوى العملتين المنافستين المحتملتين معوقات محبطة: فليس وراء اليورو قوة سياسية موحدة، ولا يزال الرينمينبي (العملة الصينية) محل شبهة مصدرها تحلل الدولة الصينية من ضوابط الحق والقانون. «العامل الوحيد الذي في مستطاعه تقييد سيطرة الدولار وجبهها هو بروز منطقة رينميبي كبيرة رداً على انعزالية ترامب. وليس موعد هذا غداً (قريباً)، يخلص برونو كولمان. فهل ينبغي انتظار ولاية ترامب الثانية لينتاب الخوف من العنتر الأميركي دائني أميركا؟

 

 

* محرر اقتصادي، عن «لوفيغارو» الفرنسية، 16/1/2018، إعداد منال نحاس


الأكثر قراءة في معلوماتية واتصالات
المزيد من معلوماتية واتصالات