تقدم وثيقة البنتاغون الأخيرة، ومدارها على السياسة النووية الأميركية، صورة قاتمة عن العالم، وتسلط، شأن الرئيس دونالد ترامب، الضوء على جوانبه المظلمة المليئة بالتهديدات. وتذهب الوثيقة إلى أن خصوم أميركا المحتملين مثل الصين وكوريا الشمالية...

الإستراتيجيا النووية الأميركية... تُفاقم أخطار اللجوء إلى هجوم نووي

آدام_ماونت |

تقدم وثيقة البنتاغون الأخيرة، ومدارها على السياسة النووية الأميركية، صورة قاتمة عن العالم، وتسلط، شأن الرئيس دونالد ترامب، الضوء على جوانبه المظلمة المليئة بالتهديدات. وتذهب الوثيقة إلى أن خصوم أميركا المحتملين مثل الصين وكوريا الشمالية وروسيا يسرّعون وتيرة تطوير قدراتهم النووية، ويتفوّقون عليها. ولكن الوثيقة لا تعد العدة لوقف الانزلاق إلى عالم أخطر ولا تسعى إلى تقليص الاعتماد على الأسلحة النووية، بل تسرّع الانزلاق إلى مثل هذا العالم من طريق الصدوع بمنطق خصوم أميركا، والدخول في منافسة نووية معهم.

وركن الوثيقة هذه هي الدعوة إلى توسيع الولايات المتحدة اعتمادها على الأسلحة الذرية لحماية أرضها وحلفائها- وهذه الدعوة عودة عن مساعي إدارة أوباما إلى تقليص الأسلحة النووية. ولا تقترح الوثيقة تجديد الترسانة النوووية البائتة فحسب بل تزويدها كذلك بنوعين جديدين من الصواريخ. وتوسّع مروحة الظروف التي قد تلجأ فيها واشنطن إلى السلاح النووي، إلى الرد على «هجمات إستراتيجية غير نووية»- وهذه عبارة مبهمة- تستهدف البنى التحتية. وتشمل مراجعة السياسة النووية كذلك إجراءات ترسخ التنافس النووي، منها زيادة قدرة إنتاج البلوتونيوم لاستخدامها في حال مسّت الحاجة إلى توسيع الترسانة توسيعاً دراماتيكياً؛ وتدريب القوات التقليدية على القتال جنباً إلى جنب القوات النووية؛ وتحسين جاهزية الأسلحة النووية المنتشرة في أوروبا، والطعن على إجراءات ضبط السلاح النووي.

وعلى خلاف ما درجت عليه، تحتوي المراجعة النووية عدداً من الإعلانات المتناقضة والخرقاء والمضللة. فعلى سبيل المثل، تلتزم معايير متناقضة تحدد متى يستغنى عن قنابل «بـ83» الذرية، وقوتها 1.2 ميغاطن (1.2 مليون طن)، فتُحال على «التقاعد». وقبل صدور المراجعة، ساد القلق من خطاب ترامب الانتقامي ومساهمته في زيادة احتمالات اللجوء غير المناسب والمتكافئ إلى القوة النووية، على غرار اللجوء إليها في الرد على هجوم سيبيرنيطيقي (سيبراني). فاضطر الجنرال بول ج. سيلفا، ثاني أعلى مسؤول عسكري في أميركا، إلى تفنيد مثل هذه الاحتمالات ونفيها، في وقت أن الوثيقة نصت على توسيع اللجوء إلى النووي رداً على هجمات إستراتيجية غير نووية. وهذا التباس لا يحتمل ولا يُقبل، وخصوصاً في عهد إدارة تنشر تغريدات متهورة عن مواقفها النووية على تويتر.

وتعرض الوثيقة قائمة يبدو أن شاغل واضعيها هو إظهار تقدم خصوم أميركا عليها، فتجمع في خانة واحدة أنظمة متباينة مثل الترسانة الروسية الكبيرة، والترسانة الصينية الصغيرة، والترسانة الكورية الشمالية البالغة الصغر أو الضآلة. وتدرج في بوتقة واحدة أنظمة بالغة التطور مع لأنظمة أُرجئ العمل بها إلى أجل غير مسمى، وحتى مع صواريخ كوريا الشمالية- وهذه نجاعتها أو دقتها غير مثبتة. وحين تتناول الوثيقة الولايات المتحدة، تغفل القائمة عدداً من برامج تطوير أعظم قوة نووية في العالم وضمان استدامتها، والبرامج المطورة لاستبدال الأنظمة القديمة بأنظمة جديدة.

وتلتزم الوثيقة المضي قدماً في خطة أوباما النووية التي تقضي بالحفاظ على الترسانة النووية وتطويرها، وتضيف إلى الخطة هذه «ملحقين»: خيار استخدام صواريخ باليستية بحرية أو تطلق من منصات بحرية، مزودة برؤوس نووية أثرها أضعف من الرؤوس التقليدية، واستبدال صواريخ نزعت من الأسطول الأميركي في التسعينات بصواريخ كروز بحرية. وتسوغ الوثيقة خطوتها هذه بالقول أن لا غنى عنها، وأنها تساهم في «جبه أي سوء تقدير قدرات الردع الأميركية الإقليمية وتسد الثغرة (في هذه القدرات)». وعلى رغم أنها تعزو الثغرة المفترضة هذه إلى سوء تقدير وليس إلى شائبة فعلية، تسارع الوثيقة إلى مماشاة سوء التقدير هذا، والقول أن الخيارين النوويين الضعيفي القوة حيويان في الحفاظ على صدقية الردع الأميركي أمام اعتداء إقليمي أو مناطقي. وهذا البند يقوض صدقية القوات الإستراتيجية الأميركية، ويوجه رسالة إلى الصين وكوريا الشمالية وروسيا مفادها: «انتظروا منا ضربة ضعيفة القوة، والرد عليها بقوة مماثلة». وقد ترى هذه القوى أن مثل هذا التبادل «النووي» يصب في مصلحتها.

ومهما كانت قدرتها ووسيلة إيصالها، لن تبدو الأسلحة الذرية في عين موسكو وبيونغيانغ ردعاً مقنعاً على هجمات متدنية المستوى، وهما بارعتان في مثل هذه الهجمات. وكأن المراجعة النووية هذه تقبل قبولاً مضمراً حسبان روسيا أن مثل هذه القوة النووية المتدنية الأثر مشروعة أكثر وممكن استخدامها في الحروب الإقليمية. وليس هذا الموقف في محله، وهو على خلاف الصواب. فأولاً، الأسلحة النووية «المتدنية الأثر» مدمرة أكثر بآلاف المرات من أكبر الأسلحة التقليدية، وقد تلوث مساحات شاسعة من الأراضي، سواء كانت حليفة أو عدوة. وثانياً، ليس تمييز الخصم بين ضربة نووية متدنية الأثر وضربة نووية كبيرة، ثابتاً ولا مؤكداً أو بديهياً. وثالثاً، وحتى لو وسعه التمييز بين أنواع الضربات، قد لا يُقيد الخصم رده.

والوثيقة تهمل تقديم مسوغات يعتد بها لما تقترحه من أنظمة. فهي تزعم أن نشر صواريخ جديدة باليستية ونووية متدنية القوة ستحمل روسيا على سحب صواريخها الأرض جو المحظورة. وهذا زعم مضحك. وعبارات مثل «سوء التقدير» هي ذريعة لا يعتد بها لتسويغ نظام جديد باهظ الثمن قد يزعزع الاستقرار. وتذهب المراجعة إلى أنها لا تسبغ مشروعية على «حرب نووية»، ولكن ما تقوله عن الأسلحة غير الإستراتيجية وقدرات الرؤوس «الملحقة (بالإستراتيجية النووية الجديدة)»، يعبد الطريق أمام استخدام الأسلحة النووية في حرب إقليمية محصورة. والمراجعة النووية الأميركية اليوم هي مرآة رؤية إلى الردع آفلة وتبسيطية، وتقول إن الأسلحة النووية رادعة ولا نظير لها، وأن خيارات نووية أكثر تعزز الردع وتزيد قدراته.

ويبرز التوتر بين القوة التقليدية والقوة النووية في مقاربة الوثيقة هذه تمويل الترسانة. فمسؤولون بارزون أعلنوا أن البنتاغون لا يملك تسديد كلفة (تمويل) الخطة هذه، أي 10.7 تريليون دولار لتجديد الترسانة وتشغيلها في العقود الثلاثة المقبلة. وتأمين المبلغ هذا شائك في البنتاغون الذي يوازن بين أولويات كثيرة ومختلفة: رفع مستوى جاهزية القوات الأميركية، وبناء أسطول جديد من حاملات الطائرات والمقاتلات والغواصات الهجومية، والاستثمار أكثر في البحوث المستقبلية. وعوض السعي إلى تذليل المشكلة هذه، تعلن وثيقة المراجعة النووية أن الأسلحة النووية هي «أولوية في المتناول»، وأن كلفتها هي شطر ضئيل من موازنة الدفاع. وإخفاق المراجعة النووية هذه يعود إلى بنيتها، فهي تنظر إلى الأسلحة النووية في معزل من عوامل القوة الأميركية الأخرى. ولذا، يبدو أن هذه الوثيقة هي أقرب إلى مرافعة دفاع عن الأسلحة النووية منها إلى إستراتيجية ترمي إلى ردع الأعداء. وهي أشبه بمذكرة مجموعة لوبي نافذة منها إلى وثيقة صادرة عن البنتاغون.

 

 

* باحث، خبير في شؤون الإستراتيجيا النووية الأميركية، عن موقع «فورين أفيرز» الأميركي، 2/2/2018، إعداد منال نحاس


الأكثر قراءة في معلوماتية واتصالات
المزيد من معلوماتية واتصالات