أسير أحلامه.. كلما قرر أن يفك أسره.. أقبل الليل.. ونام الحارس! ****اختار العصفور أجمل شجرة وبنى فيها عشه، فأصبحت وطناً للعصافير، بعد زمن اختار الحطاب الشجرة نفسها هدفا لفأسه، بعد يوم غادرت العصافير إلى شجرة أقل جمالاً واخضراراً، لكن...

حكايات

فاطمة_السهيمي |

أسير أحلامه.. كلما قرر أن يفك أسره.. أقبل الليل.. ونام الحارس!

 

****

اختار العصفور أجمل شجرة وبنى فيها عشه، فأصبحت وطناً للعصافير، بعد زمن اختار الحطاب الشجرة نفسها هدفا لفأسه، بعد يوم غادرت العصافير إلى شجرة أقل جمالاً واخضراراً، لكن أكثر أمناً.. عندما عاد الحطاب لم يجد الشجرة!

 

****

كل يوم تذهب فيه إلى المدرسة تعود بحقيبة ممتلئة وعقل فارغ، أما أنا فأعود بجيوب ممتلئة وقلب مكسور.. قالها الطفل الذي يعمل صبياً في المقهى، وسار الطفلان بامتداد الشارع الشاحب يضمهما الصمت.

 

****

عندما كنت صغيراً زرعت في فناء منزلنا الصغير شجرة ريحان.. تعاهدتها بالسقيا والاهتمام.. أردتها أن تكبر كأشجار الغابات؛ أشجار الصنوبر والتفاح، لم تكبر شجرة الريحان كما تخيلت.. كبرت أنا فقط!

 

****

عندما فتحت له الأرض ذراعيها ضرب موعداً مع السماء.

****

اصطدم بك في الظلام..

- هل آذيتك؟

- أجل.

- لم لم تحمل شمعة لأراك؟

- وأنت؟!

- أنا.. لم أتوقع أن هناك أحداً يسير في الظلام غيري.

****

طلق والدي أمي وهي حامل بي، ولم يسأل عني بعدها.. أمي نفسها عاملتني معاملة تشوبها القسوة، كانت أشبه بزوجة أب ولم تتغير معاملتها إلا عندما تحدد موعد زواجي، انهمر حنانها كغيمة شتوية على شجرة امتصت الصحراء رحيقها منذ سنين، عندما كنت أستعد للخروج، وقد لبست فستاني الأبيض، قلت: «لماذا يا أمي»؟! قالت ليرحمك أهلي. كانوا حانقين لأنه طلقني وليس لي ذنب، قسوت عليك ليرحموك، وحرمتك ليعطوك، ونهرتك ليضموك.

لم تكوني لتحتملي حنقهم وقسوتهم أبداً..

خرجت واستقبلتني القاعة بالزغاريد والتصفيق، والإضاءة تكشف أستار أحزاني المختبئة منذ 21 سنة، تفاديت كل ذلك بالتفاتة إلى الخلف وأنا أقول لأمي: كنت أحوج إلى رحمتك أنت، ثم عدت لأواجه الناس بابتسامة باهتة وأنا أتساءل: إلى أين أذهب بطفولتي الممزقة؟!

 

****

قلب حزمة البقدونس وهو يقول:

فيها بعض الحشائش، وبعضها لونها مصفر، والحزمة صغيرة، أصغر مما في السوق، ثم شمها وأردف: رائحتها ليست نفاذة كالتي في السوق، ويبدو.. قاطعته قائلاً: هي بريال على كل حال!

 

****

عندما هممت أن أناول جارتنا أم علي كيس الخبز الأسمر والجبنة البيضاء منزوعة الدسم وحزمة البقدونس، وهو طعامها الوحيد؛ بسبب مشكلاتها الصحية الكثيرة، قفزت علي قطة من الدرج، فسقط الكيس الذي كنت أحمله على الأرض، كدت أن أصعق عندما سمعت ضحكتها المجلجلة. قبل 11 عاماً أو أكثر جاءت أم علي إلى حارتنا برفقة طفلها الرضيع، كانت خارجة لتوها من مأساة احتراق منزلها واختناق عائلتها الصغيرة وهي تلد طفلها الأخير في المستشفى. ضحكة أم علي تسببت في أزمة في الفترة الماضية في العمارة، حتى قرع بعضهم بابها وحذروها من مغبة تكرارها! أما أنا فقد كبرت على صوت هذه الضحكة وأدمنتها، ويبدو أنني لست الوحيد، لأن الجميع توقف عن قرع باب أم علي إلا لمشاركتها تلك الضحكة المميزة.

قبل شهرين تقريباً أو أقل، ذهب ولدها الوحيد، الذي كان السبب شبه الوحيد في سماعنا تلك الضحكة، لشراء الخبز الأسمر والجبنة البيضاء وحزمة البقدونس، ولم يعد؛ لأن سيارة أحد المتهورين افترسته من دون رحمة، عندما انتهت الجدران من ترديد تلك الضحكة استفقت من غيبوبتي اللحظية، وقلت لها وأنا مازلت على الأرض وهي تجمع الأشياء من الأرض: كنت أظن أنني لن أسمع هذه الضحكة إلى الأبد؟ قالت وآثار الضحكة ما تزال تلون ملامحها: أن ذلك لن يحدث.


الأكثر قراءة في مجتمع
المزيد من مجتمع