هناك شرخ آخذ في الاتساع بين العرب والأكراد، في سورية خصوصاً. للوهلة الأولى يبدو للمراقب أن التدخل العسكري التركي، المدعوم من فصائل سورية معارضة للنظام، للسيطرة على مدينة عفرين هو ما يشكّل الخلفية الكبرى للشرخ. وقد لاحظنا في الأيام...

عن الشرخ بين العرب والأكراد

حسن_شامي |

هناك شرخ آخذ في الاتساع بين العرب والأكراد، في سورية خصوصاً. للوهلة الأولى يبدو للمراقب أن التدخل العسكري التركي، المدعوم من فصائل سورية معارضة للنظام، للسيطرة على مدينة عفرين هو ما يشكّل الخلفية الكبرى للشرخ. وقد لاحظنا في الأيام الأخيرة ارتفاع منسوب الحدة السجالية حول هذه المسألة داخل المعارضة السورية، مما يشي بإمكانية أن يتحول الشرخ إلى هوّة عميقة.

نسارع إلى القول إن معركة عفرين وما يصاحبها من تبادل الاتهامات بارتكاب جرائم فظيعة كالتمثيل بجثة المقاتلة الكردية بارين كوباني، ليست سوى الإشهار الحدثي لهذا الشرخ وإدراجه في السياق الظرفي للعبة الصراع على النفوذ والمواقع الإقليمية والدولية في سورية. أما الخلفية الحقيقية للشرخ المرشّح لاستقبال المزيد من ضربات المعاول الغاضبة فتعود إلى انهيار الإطار الوطني الناشئ بعد الاستقلال. في هذا المعنى يقع الشرخ في مدار التاريخ الحافل بالتباسات ومفارقات الفكرة القومية الموروثة عن القرن التاسع عشر الأوروبي.

سنضع جانباً النظام السوري وجماعته، إذ قد يكون صحيحاً أن حساباته وتوظيفاته في المسألة تخضع، في نهاية المطاف، لاعتبارات سلطوية ضيقة. ثمة في المعارضة السورية من أدان التدخل التركي لأنه سيدفع بالأكراد إلى الارتماء في حضن النظام. وكان قسم معتبر من المعارضة ينظر بارتياب إلى صعود القوة الكردية منذ بداية سنوات الجمر الست السورية ويتهمها، بحسب رواية تخوينية شائعة، بالتواطؤ مع النظام، وباللعب على حبال التناقضات لمصلحة أجندة خاصة لا تفصح صراحة عن مضمونها، بحسب رواية تكتفي بالارتياب من نهج كردي لا يعير أهمية كبيرة لتطلعات غالبية العرب السوريين.

قد يكون مفيداً أن نركز اهتمامنا على المناظرة الدائرة بين مركزين يفترض كل منهما تمثيل الفكرة الوطنية كما يفهمها. سنفترض أيضاً أن القوتين المذكورتين، أي الكردية الملتفة حول وحدات حماية الشعب والعربية بالأحرى العربية. الإسلامية الموزعة على فصائل ومجموعات متعددة تمثلان قطاعات عريضة من المجتمع السوري. فنحن نعلم أن القوة الميدانية ليست بالضرورة قوة تمثيل نهائي وناجز.

القاسم المشترك بين سرديات الطرفين هو الشعور بالمظلومية. لكن تشخيص مقدمات وحيثيات هذه المظلومية يبقى فضاء افتراق شاسع يمكن بسهولة أن ترعى فيه غزلان التباسات ومفارقات كبيرة.

لنقل إننا حيال سجال بين مظلوميتين لا تنتميان إلى مدار تاريخي واحد. فمظلومية الكتلة العربية السورية تقوم على اعتبار النظام الأسدي قوة عصبية فئوية أقلوية تضطهد الأكثرية السنّية وتستولي بالقبضة الأمنية على الوطن السوري كله، دولة وبشراً وثروات. الحديث عن أكثرية سنية لا يعني بالضرورة أن أبناءها مجتمعون على تعريف واحد لهذه الصفة. أما المظلومية الكردية فهي ترقى إلى وضعية تسبق بكثير وتتعدى، في الزمان والمكان، تاريخ سورية القريب العهد وسلطة البعث وانقلاباته. الصراع الدائر في سورية الآن ليس صراعاً على الحاضر بقدر ما هو صراع على ما ينبغي على هذا الحاضر أن يستأنفه ويسترشد بمقتضياته. إنه صراع على الماضي.

لنقل بشيء من الاختزال إن المظلومية الكردية وسردياتها الموزعة على أربع دول نصفها عربي ونصفها الثاني غير عربي تتركز على اعتقاد مؤلم بمفارقة أنجبتها أزمنة القومية الحديثة، وهي أن الأكراد أمة ممنوعة من الصرف السياسي ومن التحقق في دولة أو في جسم سياسي مستقل. ولأن المظلومية لا تخلو من وعي شقي ترتسم مقابل المفارقة الكردية مفارقة عربية معكوسة. فالعرب ينضوون في أكثر من دزينة ونصف من الدول القطرية أو الوطنية لكنهم لا يشكلون أمة في المعنى السياسي الحديث. هناك نادِ لهذه الدول اسمه الجامعة العربية لكن العرب لم يتحولوا إلى فاعل سياسي. ينبغي القول ههنا إن نشأة هذه الدول لم تكن تتويجاً لسيرورة اندماجات وطنية قادتها العروبة السياسية. حاولت الناصرية أن تفعل شيئاً من هذا القبيل وأخفقت لأسباب يطول شرحها.

لا حاجة للتذكير بأن الفكرة العربية نشأت على أرضية تفكيك السلطنة العثمانية إلى ولايات تديرها نخب عائلية نافذة وملتحقة بالقوة الأوروبية الأكثر سطوة، أي بريطانيا. ولا حاجة أيضاً للتذكير بالاضطراب اللغوي والدلالي لمفهوم الأمة واستخدام صفة نسبة إليه مأخوذة من مصطلح آخر هو «القوم». ولكن هناك حاجة للتذكير بأن عملية التسريع الأوروبي لإيقاع التاريخ في العالم كله، لاعتبارات تتعلق بالتطور الداخلي للمجتمعات الأوروبية وحروبها القومية، أفضت في العديد من الحالات إلى نتائج تختلف عن التوقعات وفيها التباسات كثيرة لا نزال نتخبط في رمالها المتحركة.

وقد تكون الأتاتوركية انعكاساً لعملية التسريع هذه. الإقرار بوجود مسألة كردية وخصوصية ثقافيةـ لغوية تستحق الاهتمام لا يمنعنا من ملاحظة أن بعض وجوه النزعة القومية الكردية ينطوي على نوع من الأتاتوركية المقلوبة. فمؤسس الجمهورية العلمانية لم يرم فقط من نافذة قطاره القومي السريع خمسة قرون عثمانية بعجرها وبجرها بل عطف ذلك على نزعة استعلاء حيال ديانة حملها قوم عرب أقرب إلى البداوة.

العروبة ليست هوية إتنية وإن كان البعض يجنح إلى اعتبارها كذلك متأبطاً كتب الأنساب. فغالبية العرب هم ممن كان يطلق عليهم اسم أبناء العرب، أي المنحدرون من تقاطعات وزيجات مختلطة. وقد سبق للمؤرخ التونسي هشام جعيط أن وصف العروبة بحق أنها مصهر أو مجرى تلاقت فيهما روافد كثيرة من جنسيات وإتنيات مختلفة بحيث تحولت اللغة العربية بقوة الانتشار والتوسع الإسلاميين إلى لغة المعرفة والإنتاج المعرفي في شتى الحقول. ولم يكن الوافدون من أصول إتنية أخرى يشعرون بالاستلاب حيال العربية. بالمناسبة يمكن لفت نظر المصرّين على اعتبار النسب معياراً للعروبة إلى أنهم قد يصدمون حين يتفطنون إلى أن فئة السادة والأشراف الذين احتلوا مكانة معتبرة في المجتمعات الإسلامية كلها هم من العرب ما دام نسبهم يرقى إلى عائلة النبي، علماً بأنهم سوسيولوجياً أتراك وإيرانيون وهنود وأكراد...

ما نقوله يصح على العروبة الثقافية أو الحضارية. لكن من الصعب أن نفصل بالكامل بين العروبة والإسلام. وهنا العقدة الأكبر. شطب أتاتورك الماضي العثماني والإسلامي ليصل إلى أصل أسطوري يتطابق مع مستقبل تركيا. يستحق الماضي بعض التواضع. فالتاريخ لا يرحم.


الأكثر قراءة في
المزيد من