منذ عقد 1970 نُصِّب الضحايا، ضحايا الفقر والنزاعات والأوبئة...، «قضية». فمنظمة «أطباء بلا حدود» أسست في 1971. وأجازت القوى الدولية لنفسها التدخل في البلدان الأخرى باسم إنقاذ السكان المحليين، على شاكلة التدخل في الصومال في 1993. وعللت...

حمل ظواهر مثل الهجرة واللجوء على معايير ... يُفضي إلى «مواطَنَة بيولوجية» عرقية

ديدييه_فاسّان |

منذ عقد 1970 نُصِّب الضحايا، ضحايا الفقر والنزاعات والأوبئة...، «قضية». فمنظمة «أطباء بلا حدود» أسست في 1971. وأجازت القوى الدولية لنفسها التدخل في البلدان الأخرى باسم إنقاذ السكان المحليين، على شاكلة التدخل في الصومال في 1993. وعللت هذه السياسات أعمالها ومبادراتها بعلل أخلاقية، وبمشاعر تصدرتها الشفقة والتعاطف مع المعذبين. وأقرت الأمم المتحدة، في 2005، مبدأ «المسؤولية عن الحماية.

والمشاعر والعمليات الإنسانية والعسكرية لغة يفهمها الناس كلهم، من الجمعيات غير الحكومية إلى الدول، وفي مستطاعهم كلهم تبنيها واستعمالها، والإجماع عليها. وبعضهم توسل بها توسلاً مراوغاً إلى غايات وأهداف غير معلنة، شأن العمليات العسكرية في أفغانستان وليبيا، والعمليات العسكرية الإنسانية في كوسوفو والعراق. والحق أن معارضة دعوة إلى إنقاذ ناس مهددين موقف عسير. وهذا «المنطق الإنساني» عمم على الأراضي الوطنية وشمل العاطلين من العمل والأجانب المقيمين من غير إجازة قانونية.

ولا يزال المنطق الإنساني، الرعائي والإغاثي، مؤثراً وفاعلاً في المجتمعات الغربية على نحو ثانوي ومتقطع. وهو ثانوي لأن منطقاً آخر هو المنطق الأمني غلب عليه. وهو متقطع لأن بعض الحوادث الطارئة تثير انفعالات واحتجاجات صادقة وموقتة. وغلبة المنطق الإنساني في أواخر القرن العشرين خلفتها غلبة المنطق الأمني في أوائل القرن الحادي والعشرين. ويملي المنطق الأمني مراقبة التدفقات (البشرية والمالية والإعلامية...)، ومعاملة المنفيين بغلظة، وقمع عمال الإغاثة أحياناً، فتوصم منظمات الإغاثة المهاجرين والمنفيين في البحر المتوسط، ويعاقب مواطنون يستضيفون أجانب تائهين يجتازون جبال الألب بين فرنسا وبين إيطاليا. وعلى هذا، يغدو غوث مهددين بالهلاك فعلاً مداناً وغير مشروع.

والسؤال عن انقلاب المنطق السائد، والمواقف العملية، من تغليب الحياة الإنسانية إلى ازدراء بعض البشر وحياتهم، يقود إلى السؤال عن مصير الحياة عموماً في مجتمعات رفعت مكانتها إلى ذروة قيمها. واضطلعت بعض ديانات التوحيد بدور حاسم في تقديس الحياة، وقُصر التقديس في الأطوار المتأخرة على الحياة الطبيعية أو البيولوجية (الحيوانية). وتعريف «الحياة» يقود إلى طريق مسدودة: فبين الحياة البيولوجية، حياة الخلية والجينوم، وبين الحياة على نحو ما تبسطها سيرة إنسان اجتماعية، فرق أو هوة لا تردم. وصاغت حنة أراندت المسألة صيغة واضحة: من جهة، ثمة حياة تحدها الولادة والموت ويشترك فيها كل البشر (الحياة الطبيعية)، وثمة من جهة أخرى ما يروى من حوادث ووقائع وقعت في الأثناء (السيرة). وطوال ألفي عام، سعت نظريات فلسفية كبيرة في الوصل بين القطبين وردم الهوة بينهما. وتعقبت البحوث العلمية، في القرن الشعرين، آثار الحياة في زوايا الكون النائية، واقتفت بداياتها في أزمان مبكرة. فاقتربت من حياة خلوية. ونجم عن تناول الحياة على وجهها الطبيعي والحيواني اتساع الشقة بين الوجهين، الوجه العلمي، والوجه الروائي القصصي (رواية الحوادث والوقائع).

وبينما كانت أبواب البلدان الأوروبية تغلق تدريجاً في وجه المهاجرين الاقتصاديين، في العقد الأخير من القرن العشرين، وفي وجه المهاجرين السياسيين، استثني من الغلق صنف ثالث من المهاجرين: صنف المقيمين من غير وثائق قانونية والمصابين بمرض لا علاج له في بلد المنشأ. واستقبل المنطق الإنساني العلاجي هذا بترحيب. وفاق عدد المستفيدين منه في العقد الأول من الألفين عدد المهاجرين «الشرعيين». والعلة الصحية والطبية، اليوم، موضوع تشكيك، بينما تشهد مراقبة طلبات اللجوء بعض المرونة. وهذا قرينة على طور أخلاقيات الحياة في الدول الأوروبية: فمن يشكون الأمراض يقدمون على من يشكون من الملاحقة والاضطهاد، والشهادة الصحية أو التقرير الطبي أجدر بالتصديق من شهادة طالب اللجوء. وتتفق هذه المعالجة مع معالجة مسألة الأولاد اللاجئين من غير أهل أو أقرباء أوصياء. فهؤلاء الأولاد تُجرى عليهم فحوص عظام للتثبت من قصور سنهم، على رغم أن الفحوص الطبية ليست على الدوام جديرة بالثقة.

وتترتب على هذا «مواطنة من صنف جديد هي المواطنة البيولوجية. فيناط الإقرار للمرء (المرأة) بمحل مشروع في المجتمع على أساس معايير بيولوجية– إصابة أو رائز عظمي. وهناك مثل آخر: يصاب أطفال الأسر المهاجرة بداء ينجم عن التسمم بمسحوق مادة الرصاص الموجودة في الدهانات القديمة. واقتضى اكتشاف هذا المرض، في العقد التاسع من القرن العشرين، وتناول مسألة السكن في المباني غير الصحية والمتداعية، البحث عن حلول عملية. واضطرت الجمعيات إلى ترجمة التفاوت الاجتماعي إلى لغة الأمراض والأوجاع والعلوم الطبيعية، فوحدها هذه الترجمة تحمل السلطات على الاستماع إلى الشكوى. والعمل الإنساني ليس محل تشكيك. ولكن التذرع به إلى استبعاد معالجات أخرى، والسعي في الاستعاضة به عنها، هو ما ينبغي النظر فيه. فالأراضي الفلسطينية، على سبيل المثل، تشهد انتفاضة متقطعة منذ أعوام أو عقود، ويتولاها شبان اختاروا أدوارهم. ولكن المنظمات غير الحكومية اختارت تعريف هؤلاء الشبان في صورة ضحايا رضّهم الاحتلال. ولا شك في أن الاحتلال يرضّ المحتلين، من غير أن ينفي دلالة انتفاضتهم السياسية. ولا ينبغي حرمان هؤلاء من كلامهم وأقوالهم، وهي عبارة عن تمرد وثورة، وعن قمع وقهر. فالمواطنة البيولوجية تضيق على الحقوق الاجتماعية، والإسعاف الإنساني والإغاثي يقلص قوة المطالبة بالعدالة الاجتماعية.

وانتهى الأمر، في غضون القرن التاسع عشر، بقبول فكرة أن للحياة الإنسانية ثمناً، وذلك مع شيوع التأمين والتعويض عن حوادث العمل. غير أن الثمن هذا ليس واحداً. وغداة 11 أيلول (سبتمبر)، أنشئ صندوق تعويض عن ضحايا الهجوم على مركز التجارة العالمي. وعوضت الأسر تبعاً لمداخيل أقربائها المتوفين. فحصل بعضها على تعويض يساوي 8 أضعاف التعويض الذي سدد لغيرها. وكانت تعويضات النساء 3 أضعاف تعويضات الرجال. وترتب الحادثة المأسوية التي أدت إلى الموت معيار استحقاق التعويض واحتسابه: فلم تصرف مستحقات لضحايا تفجير أوكلاهوما سيتي في 1995 (168 وفاة)، ولا تولت السلطات التعويض عن وفيات إعصار كاترينا (1245 وفاة) بولاية لويزيانا في 2005. فمركز التجارة العالمي وحّد الأميركيين على عدو خارجي. وفي أوكلاهوما سيتي كان العدو داخلياً، جندي سابق أبيض. وفي لويزيانا، معظم الضحايا من السود الأميركيين.

والكلام على حيوات متفاوتة ينبه إلى تفاوت غير مرئي تقيسه الإحصاءات. فالرأي السائد هو أن الأعمار تتفاوت بحسب علل جينية أو بحسب الحظ. ولكن الأفراد ليسوا متساوين حيال السكري والسرطان والحوادث والانتحار. والعمال في فرنسا يموتون مرتين أكثر من «الكوادر» في سن بين 35 و65 سنة. وأظهرت دراسات حديثة أن لتجربة التمييز والإزراء أثراً سالباً في متوسط العمر المأمول. فالموت، على ما كتب موريس هالباكس قبل قرن، ليس قدراً خالصاً بل هو نتيجة «المكانة التي يقر بها للحياة الإنسانية». ويلاحظ أن مسألة الحيوات المتفاوتة غير متداولة في مجتمعاتنا. وهي لا تقتصر على الوجه الكمي، على ما يدل احتساب التعويض عن الوفيات وإحصاء وفيات الحوادث، وتتعداه إلى الوجه النوعي، وتطالعنا في شروط حياة جماعات من السكان سكناً وتعليماً وعملاً وعلاقة بالشرطة والقضاء والسجن. وينبغي فهم «الحظ في الحياة» (أو متوسط العمر المأمول) على معنى ما يحق للإنسان أن يتوقعه من حياته في ضوء أحواله.

والمرآة الحقيقية للقول إن الحياة هي القيمة الأولى قد تكون الطريقة التي يتحدث بها حكامنا عن المهاجرين. فرئيس الدولة الفرنسية صرح في كاليه: «كرامتنا توجب علينا مساعدة اللواتي والذين يأتون بالإنسانية إلى الجمهورية». فهذا القول يكذبه الموظفون الذين يأتمرون بأوامر السلطة، ويقومون بأفعال مهينة ومن غير جدوى. وإذا لم توهم السلطات المواطنين بالمساواة بين الحيوات انهار بنياننا الإنسانوي كله. والذين ينددون بهذا الوهم، اليوم، هم الشرفاء وأنصار كرامة البشر.

 

 

* دارس أناسيات (انتروبولوجيا) وصاحب كتاب «الحياة طريقة استعمال نقدية»، (دار سوي، 2018)، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 3-4/2/208، إعداد منال نحاس


الأكثر قراءة في معلوماتية واتصالات
المزيد من معلوماتية واتصالات