النكتة المتداولة عن الجاسوس السوري في إسرائيل الذي كُشفت هويته بعدما ألصق صورة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو على زجاج سيارته الخلفي، بالتالي تملق رأس النظام كما يفعل كثر من أبناء بلده، لها إسقاطاتها على الحرب على عفرين اليوم. فمنظر...

كيف تحولوا إلى مرتزقة؟

رؤوف_بكر |

النكتة المتداولة عن الجاسوس السوري في إسرائيل الذي كُشفت هويته بعدما ألصق صورة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو على زجاج سيارته الخلفي، بالتالي تملق رأس النظام كما يفعل كثر من أبناء بلده، لها إسقاطاتها على الحرب على عفرين اليوم. فمنظر السوريين المؤذي في تركيا وهم يصطفون للتسجيل كمتطوعين من أجل القتال مع الجيش التركي في حربه على المناطق الكردية في وطنهم، لا بد أن يستدعي تلك الطرفة إلى مخيلته. والمفارقة الكاشفة هي أن بعض أولئك الواقفين في الطابور كانوا يحملون العلمين التركي والسوري الذي كان معتمداً إبان أزمة 1957 مع تركيا نفسها التي هددت حينذاك بغزو البلاد. والحال التي وصل إليها السوريون، وفي شكلٍ أدق: العرب السنّة، بعد قرابة سبعة أعوام من تمردهم على النظام لا يدل إلا على خلاصة انتهى إليها هؤلاء وتتمثل في أن «الكل أعداؤنا، الكل تآمر علينا، وتجب محاربة الجميع». هي حالة متفاقمة من «المسنثروبيا»، لأنها لا تكتفي بكره البشر بل تعمل على الانتقام منهم. وإن كان لبشار الأسد من انتصارٍ حقيقي فهو نجاحه في تفتيت المجتمعات العربية السنّية وتدمير حواضرها وإيقاظ غول التطرف وتحويل كثراً من سكانها بالتدرج لاجئين ومرتزقة. لذلك، لم يكن صعباً على رجب طيب أردوغان تجنيد عشرين ألفاً من العرب السوريين السنّة بكبسة زر للمحاربة إلى جانبه، وهو الذي لم يترك وسيلة إلا واتبعها لتحطيم حراكهم ضد الأسد وتواطأ لتهجيرهم من مناطقهم ومن ثم شَحَنَهُم في قوارب إلى اليونان لابتزاز الاتحاد الأوروبي بأسلوبٍ رخيص. أخطر ما في الأمر أن المآلات ستكون هي ذاتها لو تم استبدال تركيا بدولة أخرى. أي أن هذه الاندفاعة التركية لأولئك السوريين ليست نابعة من ولاءٍ لحاكم أنقرة وليست عرفاناً بجميلٍ تركي بقدر ما أملتها الظروف والعقليات التي طفت على السطح منذ 2011، ما يشي باستنساخ تجارب آخرين في المنطقة وبقاع أخرى من العالم جنحوا نحو الارتزاق في المهاجر وبلدان اللجوء.

عليه، يمكن فهم لماذا يعتبر أتباع «لواء الأردغانيون» (على نسق «لواء الفاطميون») أن غازي عنتاب أقرب إليهم من عفرين وأن الطريق إلى مدنهم وقراهم يمر عبر المدينة الكردية التي احتضنت كثراً من النازحين العرب السنة وأنه لا بأس من إهداء مطار أبو الضهور العسكري للنظام مقابل التمثيل بجثة بارين كوباني طالما أن «ولي الأمر» يرى ذلك. عليه أيضاً، سيكون من السهل توقع سلوكات ثلاثة ملايين لاجئ سوري ومواقفهم في تركيا وعدهم أردوغان بسكنٍ دائم في مناطق عمليات ما يسمى «درع الفرات» ليشكلوا حواجز استيطانية تقيه من الأكراد، بينما لا ينفك يشتري سكوت أوروبا بتهديداتٍ مبطنة بإرسال الإرهابيين في حين يفرك قادة دولها أيديهم فرحاً، إذ هو يخلصهم بمشروعه هذا من صداع قوارب اللاجئين. تالياً، هل سيكون كلاماً في الهواء التساؤل لماذا لم يتحالف السوريون الذين يعتبرون الأسد عدوهم مع القوات الكردية التي باتت منذ نحو أربعة أعوام القوة العسكرية الوحيدة المؤهلة لقتال النظام؟ ولماذا أشهروا السلاح في وجه الأسد أصلاً إن كانوا سيرفعون صور أردوغان لاحقاً؟ وهل في الإمكان الحديث من الآن فصاعداً عن تسوياتٍ أو تعايشٍ، ولو بالحد الأدنى، مع شيوع الارتزاق والتطبع معه كنمط حياة؟ فالمعلوم أنه ليست للمرتزق مواقف سياسية يبني عليها، ناهيك بمنظومة قيم تعني له شيئاً.

 

 

* صحافي سوري


الأكثر قراءة في شباب
المزيد من شباب