ليس من المستغرب أن يرى كثير من المديرين التنفيذيين الاستثمار في التقنية المتقدمة رهاناً أكثر أماناً للوصول إلى عوائد أكبر من استثمار أموالهم في رأس المال البشري، مع كون عدم المساواة في الدخل والفجوة بين الجنسين من المواضيع الساخنة في...

موازنة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتقنية

حسام_المقثم |

ليس من المستغرب أن يرى كثير من المديرين التنفيذيين الاستثمار في التقنية المتقدمة رهاناً أكثر أماناً للوصول إلى عوائد أكبر من استثمار أموالهم في رأس المال البشري، مع كون عدم المساواة في الدخل والفجوة بين الجنسين من المواضيع الساخنة في المنتدى الاقتصادي العالمي 2018.

وفي الواقع، بحسب نتائج «فرق التريليون دولار»، وهي دراسة اقتصادية عالمية حديثة أجرتها «كورن فيري»، أعرب 67 في المئة من المديرين التنفيذيين عن اعتقادهم بأن التقنية ستخلق قيمة أكبر في المستقبل من رأس المال البشري، معتقدين أن التقنية ستصبح أكبر مصدر لميزاتهم التنافسية في المستقبل.

ولكن، في حين يرى قادة الأعمال الحاجة الملحة إلى الاستثمار في التقنية للحفاظ على الميزات التنافسية، فإن عدداً منهم يشعرون بالقلق أيضاً تجاه قدرتهم على مواكبة وتيرة التغيير التي لا تصدق اليوم، فهم قلقون على الاستثمار في التقنية لمواكبة التقنيات فائقة التطور، لكنهم في الوقت نفسه قلقون على إدارة التوقعات الخاصة بالقوى العاملة الحديثة، والتي يشكلها جيل الألفية من الشباب، الذين يملكون دوافع مختلفة.

كما أن القوى العاملة العامة أيضاً حريصة على أن تكون مستعدة في شكل أفضل لمستقبل العمل، إذ مايزال هناك كثير من الفرص، ولكن الحاجات والوظائف المتوافرة الآن مختلفة.

وفي كلمته الرئيسة في المنتدى الاقتصادي العالمي، تعاطف رئيس وزراء كندا جاستن ترودو، وهو مؤيد كبير للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مع أولئك الذين يخشون تأثير التقنية المتقدمة في مستقبل العمل في جميع أنحاء العالم، وقال: «ستحدث الخطوة الحالية، التي تهدف إلى إدخال الأتمتة والذكاء الاصطناعي، ثورة شاملة في عالم الأعمال، وبدأت ذلك بالفعل، وأعلم أنكم، بصفتكم قادة أعمال، ترون ذلك تقدماً وتحدّياً مثيرين، كما أنكم تشعرون بالقلق حيال مدى سرعة تعطل نماذج أعمالنا الحالية أيضاً. ومع ذلك، فإذا كنتم أنتم تشعرون بالقلق الآن، فدعونا نتخيل كيف يشعر الناس الذين ليسوا معنا اليوم في هذه الغرفة».

وتدرك رؤية المملكة 2030 أهمية الدور الذي تلعبه التقنية المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأتمتة الصناعية في مستقبل المجتمع، وبخاصة كونها أداة للتنويع الاقتصادي. وتسعى وحدة التوثيق الوطنية إلى تنفيذ مجموعة من المبادرات والشراكات بين القطاعين العام والخاص، بهدف جعل المملكة مركز التقنية الجديد للعالم العربي الحديث. وستعمل الوحدة على زيادة التواصل والتنسيق بين الحكومات، وتعزيز مبادرة المدن الذكية في البلاد، وتحسين وصول الخدمات الحكومية إلى المواطنين السعوديين وتوفير الراحة لهم، مع إضافة ما يقدر بـ200 ألف فرصة عمل للاقتصاد بحلول عام 2025.

وتتوافق فكرة الذكاء الاصطناعي، التي تم تناولها من قبل كورن فيري، مع مبادرة «فكرة Tech»، وهي إحدى المبادرات التي تتوافق مع رؤية المملكة 2030، بالتعاون مع الاتصالات السعودية، بوصفها شريكاً حصرياً، والتي تستهدف جميع الأفراد والشركات والمؤسسات، ما سيسهم في التحول الرقمي الوطني للمملكة، بهدف تحقيق التحول الرقمي في المملكة والارتقاء بها لتصبح أحد أفضل مراكز الابتكار الرقمي الرائدة حول العالم، من خلال منصة تفاعلية تمكن المواطنين والمقيمين من الإسهام في التحول الرقمي الوطني.

إن هذه المبادرة هي باكورة برامج الوحدة، التي تُعنى بتطوير بيئة الابتكار الاجتماعي واستقطاب الأفكار والمشاريع الملهمة في مجال التحول الرقمي، وإن المبادرة ستعمل على مسارات حيوية عدة، كالصحة والتعليم والتجارة الإلكترونية، وستسهم هذه المبادرة في بناء حلول تقنية لعدد من القطاعات الحيوية، ما ينعكس إيجاباً على الفرد والمجتمع.

وهنا نجد أن ذلك هو السبب، الذي يدفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى تدريب أعداد كبيرة من الشباب على الذكاء الاصطناعي، سواء لتطوير اعتماد الذكاء الاصطناعي في حل المشكلات في العالم الحقيقي، أم للبدء أيضاً في إعداد القوى العاملة لتكون على استعداد لموجة جديدة من فرص العمل.

غطت أبحاث كورن فيري أكثر من 2000 شركة في جميع أنحاء المنطقة، وأظهرت أن غالبية القوى العاملة الكبيرة في دول مجلس التعاون الخليجي، سواء في القطاع الحكومي أم الخاص، تقع في الفئة العمرية ما بين 30 و35 سنة، وأن الغالبية العظمى من قادة المستويات العليا أصغر سناً بكثير من نظرائهم العالميين، وأن متوسط عمر مجتمع قيادة الأعمال هم في الأربعينات من العمر، مقارنة بالمتوسط العالمي لقادة الأعمال في أواخر الخمسينات.

هذه التركيبة السكانية مثيرة للاهتمام، وتعد مؤشراً أيضاً إلى حاجة أكبر إلى إدارة الناس، مع زيادة الاستثمارات في تقويم المواهب، وتطوير القيادة ومشاركة الموظفين، كما أنها تشير إلى أن التوازن بين الاستثمار في الناس والتقنية هو أكثر أهمية هنا، لهذه الأسباب فإن الأمر برمته يدور حول التخطيط والاستعداد للمستقبل، لأجل رفاهية الناس وليس من أجل تفضيل التقنية على الناس.

ويسلط تقرير كورن فيري «فرق التريليون دولار» الضوء أيضاً على «البقعة العمياء» التي أشار إليها العلماء، وأن رأس المال البشري يمثل قيمة محتملة قدرها 1215 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي، أي ما يزيد بمقدار 2.33 مرة على رأس المال المادي، الذي يتضمن أصولاً ملموسة مثل التقنية والعقارات والمخزون، والتي ينبغي تقويم قيمتها عالمياً بمبلغ 521 تريليون دولار. ولكن ما كان أكثر وضوحاً من نتائج الدراسة هو الدليل على أن رأس المال البشري هو أكبر منتج للقيمة المتاحة للمنظمات، فبالنسبة إلى كل دولار واحد مستثمر في رأس المال البشري، يضاف مبلغ 11،39 دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي، وينبغي أن تعطي تلك العوائد، التي تمثل القيمة مقابل الكلفة إشارة واضحة إلى المديرين التنفيذيين بأن الاستثمار في العنصر البشري يمكن أن يولّد قيمة أكبر للمؤسسات بمرور الوقت، وهو ما يتجاوز بكثير النفقات المالية الأولية.

ولا يعد التحدي الحقيقي، الذي يواجه قادة الأعمال اليوم حول الاختيار، سواء للاستثمار في العنصر البشري أم التقنية. فكلاهما يؤثر في الميزات التنافسية وفي خلق القيمة المستدامة، بل يكمن في كيفية ضمان تماشي الأعمال ووضعها لتحقيق أقصى عائد على الاستثمار من كلا جانبي المعادلة في شكل أفضل.

ويأتي هذا التوافق لضمان تجهيز القوى العاملة في عصرنا الحالي للعمل في الوظائف المستقبلية بثلاث طرق أساسية:

- تبدأ من التأكد من أن الشركات مسلحة بالمواهب المناسبة، مع عنصر بشري قادر على توفير مجموعة معينة من المهارات والخبرات، وفي الوقت نفسه قابل للتكيف مع النمو والتغيير.

- أن يتأتى النمو والتغيير من الاستثمار في برامج تنظيمية رائدة في مجال القيادة والمواهب والمهارات، ما يضمن استعداد قادة المستقبل في شكل أفضل لمستقبل العمل. فقادة اليوم في حاجة إلى أن يكونوا أكثر مرونة وتقبلاً للأفكار الجديدة والابتكار من موظفيهم، وليس فقط فيما يخص التقنية، ولكن في ما يتعلق بالعمليات وأفكار الإدارة الجديدة أيضاً، الأمر الذي يشكل تحدياً للقادة في هذا القطاع والذين يميلون إلى اتباع أسلوب قيادة أكثر توجيهاً، بالمقارنة مع غيرهم من الاقتصادات الناضجة في جميع أنحاء العالم.

- أن يهدف ذلك إلى ضمان الهيكل التنظيمي للشركة واستراتيجية نشر المواهب لتمكين الأشخاص المناسبين في الوظائف المناسبة، إذ يتمتع عدد من المؤسسات بوجود كبار رجال الأعمال الأساسيين، وبعضها لديها قادة أقوياء (ولدوا في العصر الرقمي)، ولكن عدداً قليلاً جداً من المؤسسات استطاعت أن تثبت قدرتها على تطوير كادر من القادة من ذوي الأعمال الأساسية والخبرة الرقمية، إلى جانب توافر الدافع لديهم لإحداث التوازن الصحيح، فالمنظمات تحتاج إلى العمل في شكل استباقي نحو تجهيز مجموعة من هؤلاء القادة.

 

 

??* شريك كورن فيري السعودية، شركة الاستشارات التنظيمية البارزة.


الأكثر قراءة في مجتمع
المزيد من مجتمع