تراجعت أسعار الأسهم الأميركية في شكل حاد خلال تعاملات الإثنين في السادس من شباط (فبراير) الماضي، فسجل مؤشر «داوجونز» الصناعي أعلى نسبة تراجع له منذ آب (أغسطس) 2011، فاقداً 1175.21 نقطة أي 4.6 في المئة، ليبلغ عند الإغلاق 24345.75 نقطة....

اضطراب البورصات العالمية ... انهيار أم تصحيح؟

ذكاء_مخلص_الخالدي |

تراجعت أسعار الأسهم الأميركية في شكل حاد خلال تعاملات الإثنين في السادس من شباط (فبراير) الماضي، فسجل مؤشر «داوجونز» الصناعي أعلى نسبة تراجع له منذ آب (أغسطس) 2011، فاقداً 1175.21 نقطة أي 4.6 في المئة، ليبلغ عند الإغلاق 24345.75 نقطة. وفي الوقت ذاته انخفض مؤشر «ناسداك» لأسهم شركات التكنولوجيا بنسبة 3.78 في المئة أي 273.42 نقطة، مقفلاً على 6907.53 نقطة. وتهاوت الأسواق الآسيوية بعد تدهور وول ستريت، فسجل مؤشر «نيكي» الياباني أكبر خسارة في يوم واحد لم يشهدها منذ العام 1990، عندما هبط دفعة واحدة بنسبة 7 في المئة. وفي اليوم التالي نزلت الأسهم الأوروبية إلى أقل مستوى لها منذ آب (أغسطس) 2017، ليتدنى مؤشر «ستوكس 600» للأسهم الأوروبية للجلسة السابعة على التوالي.

ويوم الثلثاء الذي أعقبه، استهلت الأسهم الأميركية معاملاتها بتراجع جديد، فانخفض «داو جونز» خلال تعاملات الصباح 758 نقطة ليصل إلى 23180 نقطة، بعدما شعر المستثمرون أنَّ الانسحاب من هذه الأسهم بعد فترة انتعاش طويلة ربما يكون الإجراء المناسب، قبل أنْ تتجه الأسواق إلى هبوط جديد. واستمر تأثر الأسواق الآسيوية الثلثاء لتنخفض مجدداً، لكن بمستويات أقل من الإثنين الذي سبقه. وانتقلت عدوى البيع إلى الأسواق الأوروبية، لكن في شكل أكثر اعتدالاً. وبعد موجات الهبوط، كانت مؤشرات الأسهم قريبة من المستويات التي بدأت بها السنة، وتسبب اضطراب الأسواق بخسارة ثروة كبيرة قدرت بـ4 تريليونات دولار على مستوى العالم.

وما يثير الانتباه أن الانخفاض الكبير في أسعار البورصات حصل في ظل مؤشرات اقتصادية كلية، متفائلة ولا تستوجب القلق. كما تدل مؤشرات الشركات إلى أداء جيد، وأرباح لا يستهان بها. ولكن من المعروف أنّ الهلع عندما يبدأ في الأسواق المالية، وحتى ولو لم يكن مبرراً، يصبح من الصعب إيقافه بالمنطق.

وحصلت موجات البيع الكبيرة يوم الإثنين، بعدما أظهرت الأرقام الصادرة الجمعة الذي سبقه ارتفاع معدلات الأجور في الولايات المتحدة، بعد عقود من الاستقرار مسجلة أكثر من نصف عدد الولايات الأميركية نمواً بمعدلات الأجور بنسبة 3 في المئة وأكثر. ويُعتبر ذلك مؤشراً لدى بعض المتعاملين، إلى أن الاحتياط الفيديرالي (البنك المركزي) سيرفع أسعار الفائدة في شكل أسرع مما هو مخطط له هذه السنة، للحد من تأثير ارتفاع معدلات الأجور في تغذية التضخم.

ويرى محللون في أسواق الأوراق المالية، أنَّ تصريح الرئيسة السابقة للاحتياط الفيديرالي جانيت يلين في لقاء تلفزيوني، أنَّ أسعار الأسهم الأميركية «مُبالَغ فيها»، على رغم أنها لم تقل إنها «في حالة فقاعة»، قد تسبب في الاضطراب. ويكفي هذا التصريح وحده من شخص على هذا المستوى، لدفع المتعاملين في السوق خصوصاً المهمين منهم، إلى التخوف على مستقبلها والإقدام على بيعها بسرعة وكثافة لجني الأرباح، قبل أنْ ينتشر خبر عدم واقعية أسعار الأسهم، ولا بد لها من الانخفاض.

ومن المعروف أنَّ الأسواق المالية حساسة جداً للتصريحات الاقتصادية والسياسية التي يدلي بها المسؤولون، لذا يُرجح أن تكون عملية البيع الواسعة التي شهدتها وول ستريت الإثنين في السادس من شباط الماضي، بالفعل بسبب سعي المستثمرين إلى جني أرباح تراكمت على مدى فترة طويلة من الزيادات المتواصلة، لتبلغ مستويات قياسية. والدليل أنَّ حصيلة الأسهم المباعة لم تذهب إلى ملاجئ أخرى كأذونات الخزينة، بل احتفظ بها المستثمرون في انتظار هبوط أسعار الأسهم إلى مستوياتها الحقيقة وإعادة شرائها. لكن ذلك لا يخفي وجود أسباب حقيقية لقلق الأسواق المالية منها، ارتفاع معدلات الأجور بعد استقرارها لسنوات، وتصريح بعض المعنيين الكبار في الاحتياط الفيديرالي، عدم الاكتفاء بثلاث زيادات في أسعار الفائدة مخططاً لها هذه السنة، وإنما قد يضيف زيادة رابعة وحتى خامسة، لمنع معدلات التضخم من التأثير سلباً في الانتعاش الاقتصادي.

ومن المعلوم أنَّ سياسة التيسير النقدي التي طبقها المركزي الأميركي على مدى سنوات، ضخت أموالاً كثيرة في السوق وبفائدة منخفضة جداً، استفاد منها المستثمرون والمتعاملون بالأسهم والمستهلكون.

ويُعدّ تنامي العجز في الموازنة الحكومية هو الآخر، مصدر قلق للأسواق المالية. إذ يُتوقع أنْ يصل هذه السنة إلى تريليون دولار قبل الخفوضات الكبيرة التي أحدثها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الضرائب، التي ستتقلّص 135 بليون دولار هذه السنة، و280 بليون دولار في 2019. بينما لا يُستبعد زيادة الإنفاق، من ضمنه تخصيص ملايين الدولارات للولايات التي تعرّضت لحرائق وأعاصير. ولا يظهر ترامب قلقاً من الوضع، بل يرى أنَّ الأداء الجيد للشركات بعد خفض الضرائب سيصحح الوضع. لكن محللين لا يتفقون معه، لأنهم يعتبرون أنَّ تقلّص الإيرادات ورغبة الرئيس في زيادة الإنفاق العسكري، سيزيدان من عجز الموازنة ويتسببان برفع أسعار الفائدة.

ومن الأسباب التي تُضاف إلى اضطراب الأسواق، استبدال التجار الذين يحللون الأسواق لرسم الإستراتيجيات المستقبلية بحواسيب تجري طرازات ومعادلات رياضية معقدة ودقيقة، لاتخاذ قرارات سريعة جداً في الأسواق المالية يُطلق عليها Computer – driven algorithmic Trading. ويستدل على تأثير هذا العامل، أن بعد الثالثة من فجر الإثنين 2/6، هبط مؤشر «داوجونز» خلال عشر دقائق فقط 900 نقطة، وقد يكون ذلك الهبوط السريع والمفاجئ نتيجة لتطبيق إستراتيجيات مبرمجة احتمال الخطأ فيها وارد.

ولكن السؤال المهم الذي يدور في أذهان المستثمرين الآن هو، هل أن الاتجاه هو إلى وضع أسوأ؟

في ظل قوة الاقتصاد الأميركي الحالية وتوقع استمرارها لفترة مقبلة، لا خوف حقيقياً من أنْ يسود التشاؤم في الأسواق المالية في الولايات المتحدة، وتدخل حالة ما يعرف فنياً بسوق الدب Bear market. إذ كانت الانخفاضات الأخيرة في الأسعار أقل من المستوى الذي وصلت إليه في نهاية كانون الثاني (يناير) الماضي، وبلغ 10 في المئة فقط. بينما يتحقق سوق الدب، في حال كان التراجع بنسبة 20 في المئة. أما ما حصل فهو يُعد تصحيحاً للسوق الذي لم ينتهِ بعد، ولا مؤشرات كافية إلى بلوغ الأسعار مستوى القاع Bottom ، الذي يبدأ بعدها الارتفاع. لذا يُرجح بقاء السوق متقلّبة، وقد تسجل انخفاضات أخرى قبل أنْ تنتهي باستقرار الأسعار. إذ لا يعني التصحيح الحالي نهاية انتعاش الأسواق المالية، التي تعرف فنياً بسوق الثور Bull market. ومع ذلك يُستبعد عودة أسعار الأسهم إلى ما كانت عليه خلال فترة التيسير النقدي.

 

*كاتبة متخصصة بالشؤون الاقتصادية


الأكثر قراءة في أفكار
المزيد من أفكار