يشارف القطاع المالي العالمي على أزمة. فحاله اليوم من حاله في 2007. فالعجز المالي العام تفاقم في عدد كبير من الدول، والسياق الاقتصادي العام أكثر هشاشة اليوم، على رغم أنه يبدو أقوى تماسكاً مع التعافي الاقتصادي. والإجراءات المصرفية...

النظام الاقتصادي العالمي يشرف على الانهيار تحت وطأة جبل من الديون

غاييل_جيرو |

يشارف القطاع المالي العالمي على أزمة. فحاله اليوم من حاله في 2007. فالعجز المالي العام تفاقم في عدد كبير من الدول، والسياق الاقتصادي العام أكثر هشاشة اليوم، على رغم أنه يبدو أقوى تماسكاً مع التعافي الاقتصادي. والإجراءات المصرفية والمالية المنظمة التي التُزمت إثر أزمة الرهانات العقارية غير كافية، ولا تحول دون أزمة مالية مرتقبة- والاتحاد المصرفي الأوروبي ليس في منأى منها. وفي الأحوال السائرة، المؤشر الاقتصادي المجهري الذي وضعه الاقتصادي الأميركي، روبرت شيلر، يقيس أسعار الأسهم المالية على الأرباح التي توزعها شركة من الشركات، ويتراوح المؤشر غالباً بين 14 و17، ومتوسط عوائد الأصول يبلغ نحو 6 في المئة. ولكن اليوم الهوة كبيرة بين واقع الشركات الاقتصادي وبين رسملتها في البورصة. والمؤشر هذا يبلغ اليوم نحو 34 في أكبر 500 شركة أميركية. وهذا دليل على الهوة بين حال الشركات في الاقتصاد الفعلي وبين قيمتها في البورصة. فعوائد الأوراق المالية تبلغ نحو 3 في المئة، وهذه نسبة مطابقة لعوائد أصول من غير مخاطر، شأن عوائد سندات الخزينة. وهذه المطابقة تجافي المنطق وتخالفه. والمرة الأخيرة التي تجاوز فيها مؤشر شيلر مثل هذه العتبة كانت في عام 2000، عشية انفجار فقاعة الإنترنت. والهوة بين البورصة والاقتصاد يقابلها انفصال بين أسعار البورصة وبين الناتج المحلي. ومؤشرات سوق البورصة تجاوزت نظيرها في أزمة 2007، في وقت استعاد فيه الاقتصاد الغربي، أخيراً، مستويات متوسط العائد الفردي السابق، أي بلغ ما كان عليه في 2007.

والكلام على فقاعة في محله. فعاجلاً أم آجلاً، يتقلص التباين بين أسعار البورصة وبين الاقتصاد الفعلي تدريجاً من طريق هبوط أسعار الأوراق المالية. وآلية انفجار الفقاعة بسيطة: في مرحلة نشوة انتفاخ الفقاعة يراكم المستثمرون الديون من أجل شراء الأصول المالية والاستفادة من ارتفاع الأسعار. ولكن لن يطول الأمر قبل موعد استحقاق تسديد الدين، في وقت أن عوائد المستثمرين مصدرها الاقتصاد الفعلي أو الحقيقي. وإذا كان الاقتصاد هذا منفصلاً أو منفكاً عن الدائرة المالية، يضطر المضاربون إلى بيع أصولهم المالية لتسديد ديونهم، حين يفتقرون إلى عوائد «فعلية» كافية. ويبدأ الانهيار المالي لحظة تضطر شريحة يعتد بها من المستثمرين إلى بيع أصولها. وتؤدي حركة البيع إلى عودة الأسواق إلى معدلات الأسعار المنخفضة. فلا يكون أمام المستثمرين الآخرين غير البيع بدورهم لتقليص خسائرهم. وينجم عن هذا انهيار الأسواق.

ويرجح أننا على مشارف انهيار النظام الاقتصادي تحت وطأة جبال من الديون. وخير مثل على ما أسوقه هو شخص راكم فائضاً من الديون: فما أن تتجاوز ديونه قيمة ضمانات الدين (منزله على سبيل المثل أو سيارته)، تقضي مصلحته بإعلان الإفلاس. فمصادرة الضمانة (البيت أو السيارة) تتيح له ادخار الأموال. والأمور على المنوال هذا على المستوى الدولي. فالدين العام العالمي يبلغ نحو 60 ألف بليون دولار في وقت أن الناتج المحلي العالمي يبلغ نحو 70 ألف بليون. والقروض الخاصة تبلغ نحو 110 آلاف بليون دولار. وفي مثل هذه الحال، تمس الحاجة إلى تقليص الديون الخاصة، وليس ديون القطاع العام. ومجموع الديون هذه يتجاوز 240 في المئة من الناتج الدولي.

وفي مقابل جبل الديون هذه، يبلغ الرأسمال العالمي المادي، وهو ضمانتها، 200 ألف بليون دولار. ولا يخفى أن موعد سداد الديون ليس واحداً. ولكن حين يقترب الدين العالمي من قيمة ضمانته، تبرز لا محالة مصاعب في التسديد. ولا يعرف أحد متى وأين ستندلع الشرارة التي ستشعل الأزمة، على رغم أن بؤرة الأزمة معروفة، ومنها أزمة الديون الطلابية الأميركية (نحو 1300 بليون دولار)- أي أكثر من الناتج المحلي الفرنسي- ولا يسع الطلاب تسديد ديونهم ما لم يعثروا سريعاً على وظائف مجزية.

وإلى الديون الطلابية هذه، انبعثت ديون الاستهلاك التي تحتذي على الرهون العقارية، والمصارف الأميركية بدأت تحويل الديون هذه إلى أوراق مالية وسندات (التسنيد). ومن موائل الأزمة الكبرى المصارف العامة في شنغهاي والفقاعة العقارية في الساحل الشرقي بالصين. وتعاظم الدين الصيني لا نظير له في التاريخ. وعلى نحو ما تقدم، الألغام المالية كثيرة وقد تنفجر في أي لحظة.

ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي تتعاظم في أصقاع المعمورة. ففائض الدين لم يولد قيمة مضافة كافية. والدين هو صنو وقود الاقتصاد العالمي، ولكنه لم يعد يحرك عجلة النمو. وتعود الفقاعة المالية اليوم إلى 2009، وغذتها أموال البنوك المركزية. فسياسات التيسير الكمي، أثر أزمة 2008، قضت بشراء المصارف المركزية سندات سيادية في الأسواق الثانوية مقابل آلاف البلايين. ومنذ أكثر من ثماني سنوات، يضخ البنك الفيديرالي الأميركي ألف بليون دولار سنوياً في وقت معدلات الفائدة فيه صفر في المصارف وصناديق التقاعد وشركات التأمين. وهذه الأموال استخدمت في المضاربات عوض استثمارها في الاقتصاد الفعلي. وأسواق الأسهم اشتعلت وارتفعت الأسعار. وزادت قيمة السوق الأميركية نحو 35 في المئة في الأشهر الأربعة عشر الماضية. وفي الأوقات العادية، تطمئن زيادة الرواتب المستثمرين. فهي تنفخ في الاستهلاك، أي تصب في مصلحة الشركات.

ولكن في عالمنا اليوم، إذا رفعت الرواتب، يخشى المستثمرون انبعاث التضخم. وإذا عاد التضخم، عادت المصارف عن سياسات التيسير الكمي وارتفعت معدلات الفائدة. ولكن أموال البنوك المركزية هي شريان حياة القطاع المصرفي، وهو بدوره راكم فائضاً من الديون. وقطع شريان الحيان هذا يغرق قطاعاً كاملاً من المصارف في شمال الأطلسي، ويحملها على الإفلاس. ولذا، عمّ الذعر في الثامن من شباط (فبراير) المنصرم، حين اعلن المصرف المركزي الإنكليزي وشك رفعه معدلات الفائدة.

 

 

??* خبير اقتصادي، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 1/3/2018، إعداد منال نحاس


الأكثر قراءة في معلوماتية واتصالات
المزيد من معلوماتية واتصالات