ينظر كثر إلى رسالة الرئيس الروسي، فلادمير بوتين، الانتخابية في كلمته السنوية إلى الجمعية الاتحادية (البرلمان ومجلس الشيوخ)، على أنها حادثة تاريخية تضاهي أهميتها خطاب ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني، في فولتون. وخطاب بوتين هو في...

سباق تسلح جديد ... يفكك روسيا

ألكسندر_غولتس |

ينظر كثر إلى رسالة الرئيس الروسي، فلادمير بوتين، الانتخابية في كلمته السنوية إلى الجمعية الاتحادية (البرلمان ومجلس الشيوخ)، على أنها حادثة تاريخية تضاهي أهميتها خطاب ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني، في فولتون. وخطاب بوتين هو في مثابة إعلان «حرب باردة» جديدة. وبناء على هذه الرؤية، لا تقوم قائمة لما قاله بوتين في الجزء الأول من خطابه: الإغداق بوعود الازدهار الاقتصادي غير المسبوق، ورفع مستوى المعيشة، وتطوير الطب والتعليم، هذا كله لن يتحقق.

فالرئيس الروسي كرّس النصف الثاني من خطابه لإعداد مواجهة عسكرية مع الغرب، وفي المقام الأول مع الولايات المتحدة. وكشف بوتين عن أنواع كثيرة من الأسلحة الفائقة التطور والتقدم. وعلى ما يبدو بلغت الأسلحة هذه مرحلة الإنتاج الضخم والمتسلسل، وأعلن بوتين أن هذه الأسلحة تفوق تطوراً كل ما يملكه الأعضاء الآخرين في النادي النووي. وعلى قوله بوتين، صنعت موسكو صاروخاً ثقيلاً جديداً من طراز «سارمات» من غير قيود على مداه، أي مطلق المسافات، ويمكن أن يبلغ هدفه (الأراضي الأميركية من غير شك أو حاجة الى التحديد) عبر القطب الشمالى والجنوبي. ولكن هذا الصاروخ الذي يبلغ وزنه 200 طن، والقادر على إيصال عشرات الرؤوس النووية إلى الهدف، هو أقرب إلى لعبة مقارنة بسلاح جديد آخر. ويبدو أن روسيا صنعت صاروخ كروز يعمل على الطاقة النووية، قادر كذلك على الوصول إلى أي مكان، وتغيير المسار. وصنعت كذلك الصاروخ الأسرع من الصوت من طراز «الخنجر»، الذي يطير بسرعة 10 أضعاف سرعة الصوت على مدى أكثر من 2000 كيلومتر، ويستطيع المناورة في جميع مراحل الرحلة. وقال بوتين إن المنظومات المجهزة بهذا الصاروخ بدأت اختباره في المنطقة العسكرية الجنوبية. كما لم يخف الرئيس الروسي حماسته حين أماط اللثام عن امتلاك بلاده صواريخ كروز من طراز «أفانغارد». والصواريخ هذه أسرع من الصوت، وتطير محاطة بنوع من «شرنقة من البلازما».

ولكن يرجح ألا يسأل أولئك الذين تعصف بهم الحماسة العسكرية أنفسهم سؤالاً بسيطاً: لماذا تحدث رئيس البلاد في الجزء الأول من خطابه عن خطر التخلف التكنولوجي الروسي، في حين أظهر الجزء الثاني من خطابه أن بلادنا أنجزت فعلاً عدداً من الإنجازات التكنولوجية غير المسبوقة؟ وفي الاحوال كلها، لا يخفى الغرض الرئيسي من الرسالة البوتينية الانتخابية: تقييد الحماس العسكريتاري وإسماعه ما يريد، وطمس كل الأسئلة المزعجة عن الفقر الروسي، وعن مقتل المرتزقة الروس في سورية بالنيران الأميركية. ومن غير المستبعد أن يكون إعلان بوتين هو تعويض عن العار السوري. وربما، على هذا المنوال تدار، اليوم، السياسة الخارجية، وكأنها تحتكم إلى معيار واحد: «عليك أن تحبني وإلا ضربتك (قصفتك)». وإذا كانت الامور تسير على المنوال هذا، فحري بوزير الخارجية الروسية، لافروف وموظفيه الانتقال إلى خدمة وزير الدفاع، الجنرال سيرغي شويغو، والصدوع بأوامره. ولا عجب أن فلاديمير بوتين توعد «الشركاء الغربيين» بإطلاعهم على القدرات العسكرية الروسية الجديدة. ويا له من أداء ممتاز للديبلوماسيين الروس - الانخراط في التخويف!

وثمة بعض ما يدعو إلى التشكيك في تصريحات بوتين الحماسية. فعلى سبيل المثل، من المعروف أن تصنيع «سارمات» يواجه بعض الصعوبات. ففي التقارير والمعلومات المفتوحة غير السرية، دار الكلام على اختبارات جزئية للصاروخ. وموسكو وواشنطن ملزمتان تبادل المعلومات حول إطلاق الصواريخ، ولن تفوت الأميركيون لحظة إطلاق «سارمات». ولذا، يتوقع، في القريب العاجل، أن يعرف كبار المسؤولين في واشنطن، على وجه التمام، مدى توافق تصريحات بوتين مع واقع الامور. أمّا حول صواريخ كروز العاملة على محركات بالطاقة النووية، فلا معلومات موثقة عنها. وليس أمامنا سوى التأكد اذا لم يبادر الحرفيون في وزارة سيرغي شويغو إلى اقتباس فكرة الصواريخ هذه من ألعاب الكمبيوتر، على ما فعلت أكثر من مرة البروباغندا الروسية العسكرية.

وقبل سنوات قليلة، وفي إحدى اجتماعات رئيس الدولة مع الجيش، تسربت بعض المعلومات عن تصنيع «ستاتوس- 6». وفي المشاهد التي أظهرتها قنوات تلفزيونية، ظهر رسم لهذا الجهاز الذي يحمل أسلحة نووية تحت الماء. حينها استنتج الخبراء أن هذا «سلاح يوم القيامة». وقيل إن إطلاقه سيتزامن مع هجوم نووي على روسيا ليدمر السواحل الغربية والشرقية الاميركية. ومثل هذا السلاح هو مرآة تفكير فلاديمير بوتين ومحيطه.

والشرح الطويل الذي قدمه بوتين لتسويغ صنع هذا السلاح الرائع بالقول أنه رد على الغدر الأميركي وخروجهم من معاهدة الصواريخ الباليستية الدفاعية قبل 16 عاماً، لا صلة له بالواقع. فلماذا لم يحل هذا الغدر الأميركي دون توقيع روسيا معاهدتي الحد من الأسلحة الاستراتيجية، ولماذا يقدم الكرملين على مثل هذه الخطوة إذا كان يشتبه بغدر «الشركاء» ومحاولتهم تحقيق التفوق الكلي؟ ويقول علماء ثقة أن نظام الدفاع الصاروخي الأميركي في شكله الحالي غير قادر على اعتراض الصواريخ الروسية. فالسلاح الأميركي المضاد للصواريخ أبطأ من الصواريخ الاستراتيجية الروسية ولا يمكنه اللحاق بها. وليس خروج الأميركيين من معاهدة الصواريخ الباليستية سوى ذريعة لتهديد الغرب. وجليّ أن القائد العام للقوات الروسية تورط في لعبة البروباغندا هذا. وحالما ترى الولايات المتحدة أن التهديد البوتيني جدي، ستسارع إلى تطوير وانتاج كميات كبيرة من الأسلحة. فتضطر موسكو إلى الرد. والحق يقال إن عواقب سباق التسلح السابق، جلية: فهو أدى إلى تفكك الاتحاد السوفياتي وانفراط عقده. ويبدو أن لا أمل للروس في تقاضي الزيادة الموعودة في مبالغ الرعاية الاجتماعية، وجل ما في متناولهم هو متعة اختيار أسماء صواريخهم الفتّاكة.

 

 

* خبير عسكري، عن موقع «يجيدنفني جورنال» الروسي، 1/3/2018، إعداد علي شرف الدين


الأكثر قراءة في معلوماتية واتصالات
المزيد من معلوماتية واتصالات