بعد مؤتمر إعادة إعمار العراق الذي عقد في الكويت من 12 إلى 14 شباط (فبراير)، يحاول المرء أن يفهم هذا الزخم في الحضور من ممثلي الدول والشركات والجهات التمويلية الدولية. هناك معوقات هيكلية ومؤسسية يعاني منها العراق وعدد كبير من الدول...

تغيرات ضرورية لجذب استثمارات إلى المنطقة

??عامر_ذياب_التميمي |

بعد مؤتمر إعادة إعمار العراق الذي عقد في الكويت من 12 إلى 14 شباط (فبراير)، يحاول المرء أن يفهم هذا الزخم في الحضور من ممثلي الدول والشركات والجهات التمويلية الدولية. هناك معوقات هيكلية ومؤسسية يعاني منها العراق وعدد كبير من الدول العربية، يمكن أن تعطل إمكانات جذب الاستثمار والتمويل. لقد استثمر الكثير من العرب والأجانب في بلدان عربية ونامية أخرى على مدى يزيد على أربعة عقود، خصوصاً بعد الصدمة النفطية الأولى في منتصف سبعينات القرن الماضي، وقد فشلت مشاريعهم وتوظيفاتهم المالية في قطاعات متنوعة في تلك البلدان. ومن أهم المعوقات التي تحول دون نجاح أو تحقيق جدوى من الاستثمار في مثل هذه البلدان، فقدان الاستقرار السياسي والأمني، ما يؤدي إلى انهيار أو على الأقل تراجع اقتصادي. ويعلم الاقتصاديون ورجال الأعمال أن سعر صرف العملة الوطنية وتقلباته، وأحياناً تدهوره ، مثل خطراً استثمارياً مهماً إذ أن التوظيفات تقوّم عادة بالعملة المحلية، وبعد تراجع سعر الصرف سيجد المستثمرون أن أموالهم التي حولت من الدولار أو أي عملات حرة أو مستقرة، لم تعد تساوي سوى نسبة متواضعة من قيمتها الأصلية.

يضاف إلى ما سبق أن الدول العربية المضيفة للاستثمار، على رغم تطويرها وتعديلاتها لقوانين الاستثمار والملكية، فإن التطبيق العملي لها ما زال بعيداً عن روح تلك القوانين وما تعنيه من حقوق نظرية للمستثمرين، سواء ما يتعلق بالملكية أو الإدارة أو تحويلات الأرباح. هناك قوانين أُنجزت في بلدان مثل مصر وسورية لتشجيع الاستثمار منذ أواسط السبعينات أو أوائل الثمانينات من القرن الماضي، إلا أن المستثمرين ظلوا يعانون من مشاكل مهمة في مشاريعهم وفقد الكثير منهم الحقوق المستحقة وطاول الإفلاس والتصفية عدداً من تلك المشاريع. وعانى مستثمرون أيضاً من عدم التمكن من إدارة المشاريع والتي قد تبلغ مساهمتهم في رؤوس أموالها ما يزيد على 50 في المئة، وفرضت عليهم إدارات محلية ذات صبغة سياسية من دون أن تكون مؤهلة تقنياً أو مالياً. فالإدارة هي أهم عوامل النجاح أو الفشل في المشاريع الاقتصادية، وعندما تتعطل قدرة المستثمر على اختيار إدارة مشاريعه، فإنها لابد أن تؤول إلى الفشل والإفلاس. ويمكن تفسير هذه السلوكيات من الإدارات الحاكمة في الدول العربية أو النامية لثقافة بواقع هيمنة الدول على الاقتصاد، إذ يتشكل النظام الاقتصادي بصيغة رأسمالية الدولة والتي تتحكم بكل المؤسسات في القطاعات المختلفة، أو المؤسسات الرئيسية على الأقل، ومن ثم تصبح أي مشاريع يملكها القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي تابعة، ويعمل البيروقراطيون في الدول على بذل كل الجهود ومن أجل إخضاعها لسلطة القرار الحكومي.

لم يتوقف الأمر على الاستثمار المباشر الذي تعطلت جاذبيته على مدى السنوات والعقود الماضية، بل إن الاستثمار في الأسواق الثانوية أو الأصول المسعرة في الأسواق المالية لا يزال بعيداً عن الجاذبية، ولا شك أن الاقتصاد العربي يمثل إمكانات استثمارية مهمة حيث تتوافر ثروات طبيعية متنوعة وحجم سكاني مناسب، وهناك أموال عربية يمكن توظيفها، خصوصاً بعدما تراكمت تلك الأموال بعد ارتفاع أسعار النفط منذ منتصف سبعينات القرن الماضي. ويقدر الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية المنضوية تحت لواء الجامعة العربية عام 2017 بـ3.2 تريليون دولار، وهناك إمكانات للارتقاء بهذا الناتج لو تم تطوير صناعات تحويلية واستثمار القطاع الزراعي بكفاءة، وتحسين الخدمات السياحي.

غني عن البيان أن دول الخليج لا تزال تستحوذ على أكثر من 60 في المئة من قيمة الناتج العربي، بما يؤكد أهمية مساهمة قطاع النفط في الاقتصاد العربي. وإذا أضفنا مساهمة ليبيا والجزائر والعراق فإن النسبة سترتفع، وهذه بلدان مصدرة أساسية للنفط. وما يدعو إلى الأسف، أن كل البلدان العربية، بما فيها بلدان النفط، لم تتمكن في شكل عام من تنويع قاعدتها الاقتصادية والارتقاء بالتنمية البشرية وتنشيط اقتصادات العلم والمعرفة، وظلت رهينة للاقتصاد الريعي. وهكذا تتضح صعوبات الاستثمار فيها. لذلك فإن نموذج العراق يشكل اختباراً للمستثمرين فهل يكون هذا الزخم في الحضور مجدياً على أرض الواقع أم أنه مجرد تظاهرة إعلامية؟

 

* كاتب متخصص بالشؤون الاقتصادية


الأكثر قراءة في أفكار
المزيد من أفكار