يميل الإنسان بطبيعته إلى أن يكون ممسكاً بمقدرات حياته، ومتحكماً بخياراته فيها، مع وجود قلة اعتادت الاستسلام والعيش بتبعية للآخرين.على رغم كل الدراسات التي قّدمت عن مفهوم الديموقراطية، فإنها في المجمل تحاول توصيفها بأنها طريقة للتعامل مع...

رحلتنا الطويلة تجاه الديموقراطية

زيد_شحاثة |

يميل الإنسان بطبيعته إلى أن يكون ممسكاً بمقدرات حياته، ومتحكماً بخياراته فيها، مع وجود قلة اعتادت الاستسلام والعيش بتبعية للآخرين.

على رغم كل الدراسات التي قّدمت عن مفهوم الديموقراطية، فإنها في المجمل تحاول توصيفها بأنها طريقة للتعامل مع الشأن العام للمجتمع والأمة، وإدارة الحياة العامة بكل تفاصيلها وما تشمله من حقوق وواجبات، بما لا يتعدى الشأن الشخصي للفرد.

لا نبالغ إن قلنا إن فرحتنا بزوال نظام البعث وصدام كانت تعادل توقنا ولهفتنا إلى الديموقراطية، بما رسمناه من أحلام وردية، حاولت الآلة الإعلامية وسوء تقدير من تولى زمام الأمور حينها مخادعتنا بها، فتصورنا أننا سنعيش الحياة السياسية بنموذجها الأوروبي، كما نشاهده في الأخبار، وأن القضية مسألة أيام أو أشهر في الأكثر، وتبدأ الحياة السعيدة، وأن الأحلام ستتحقق تباعاً.

كانت الصدمة الكبرى أننا عشنا عكس ما كنا نحلم به، فمشكلات وتعقيدات وتفكك مجتمعي خطر، وبوادر حرب أهلية وإرهاب بشع، وابتزاز وفساد وفشل، وسوء إدارة وغياب للتخطيط.. كل هذا كان كافياً لزرع خيبة أمل ويأس قاتلين، ولم تخل كل تلك المقدمات والنتائج، من يد خارجية متآمرة، وخيانة داخلية تابعة.

ارتبك المجتمع وتحير على نفسه ومعها، فلا هو بات يثق بالديمقراطية بوصفها نظاماً يمكّنه من تحقيق آماله، ولا وجد بديلاً في مدى رؤيته أو فهمه، ولم تعد لديه ثقة بكثير من المتصدين للقيادة، إذ اختلط عليه الأمر لكثرة التسقيط الممنهج والممول بقوة، ولا هو يمتلك خبرة وممارسة للعملية الديموقراطية، فكيف يفكر أو يتصرف؟ فهل هذه هي الديموقراطية التي ضحى وصبر لأجلها؟!

من الواضح أن اختلاط الأمور والمفاهيم زاد الأمور تعقيداً وتشاؤماً، فظن المواطن العراقي أن الانتخابات وتشكيل الحكومة، والتنافس والمماحكات السياسية هي الديمقراطية، وغاب عنه أنها وغيرها هي ممارسات وآليات للديموقراطية فقط.

يّبرر كل هذا الخلط حداثة التجربة والتجهيل المتعمد والتعتيم الذي مارسه النظام البعثي، ومعظم من سبقته من الأنظمة الحاكمة على الشعب، فممارسة السياسة، بل والحديث عنها حتى، كان رديفاً للموت، لكن هل من مبرر لبقائنا في هذه الحال الآن؟

من يطلع على تاريخ معظم الأمم والدول المتقدمة، من حيث ممارستها للديموقراطية، يلاحظ أنها مرت بفترات مظلمة ومرتبكة ومليئة بالمشكلات في طريقها للوصول إلى الديموقراطية التي تعيشها كما نراها اليوم، لكن هذا لا يعني بأية حال من الأحوال أننا يجب أن نمر بالمراحل نفسها، فما الذي يمنعنا أن نستفيد من أخطاء الآخرين ونتجنبها؟ وكيف نتجنبها ونحن لا نعرفها؟ وكيف نعرفها، ونحن لا نعرف معنى العملية الديموقراطية والعمل السياسي؟

الفهم الحقيقي لواقع ما نعيشه يبين لنا بوضوح أننا مازلنا في أول طريقنا نحو الديموقراطية ولم نصل إليها بعد، ونحن من يحدد إن كان هذا الطريق سيطول أم سيقصر.


الأكثر قراءة في مجتمع
المزيد من مجتمع