< يتجه المزاج السياسي في إسرائيل باطراد نحو أقصى اليمين، فالسقوط والتهالك العربي والفلسطيني نجح في إعطاء أقصى اليمين الاسرائيلي مزيداً من النجاحات المجانية على مدى السنوات الماضية، ما جعل منه بطل الإنجاز السياسي في اسرائيل، وأسهم في...

شطب وإلغاء القضية الفلسطينية.. «يسقط» حل الدولتين

لبيب_قمحاوي |

< يتجه المزاج السياسي في إسرائيل باطراد نحو أقصى اليمين، فالسقوط والتهالك العربي والفلسطيني نجح في إعطاء أقصى اليمين الاسرائيلي مزيداً من النجاحات المجانية على مدى السنوات الماضية، ما جعل منه بطل الإنجاز السياسي في اسرائيل، وأسهم في القضاء على احتمال تولي اليسار الحكم، بل وَحَّول أي برنامج سياسي حزبي إسرائيلي يدعو إلى التفاهم مع الفلسطينيين إلى مؤشر ضعف، وبالتالي الرفض بالنسبة للجمهور الاسرائيلي في شكل عام.

وعلى هذا الأساس، فإن أية محاولة فلسطينية للتوصل إلى تسوية سلمية الآن ستكون بالضرورة تسوية ضمن رؤية اليمين الاسرائيلي المتطرف، الذي لا يعترف أصلاً بأي حقوق طبيعية أو سياسية للفلسطينيين على أرض فلسطين، ما يعني أن أية تسوية ستكون حكماً ضمن الإطار السياسي الاسرائيلي، وبحسب رؤيته ومصالحه.

وهكذا أسهمت التنازلات المجانية الفلسطينية والعربية في تعزيز الموقف المتصلب لليمين الاسرائيلي، وأكدت قناعته بعدم وجوب إعطاء الفلسطينيين أي تنازل حقيقي، مهما كان صغيراً، لأن القيادة الفلسطينية ستقبل في النتيجة بما يُعرَض عليها من فتات. ورافق هذا الموقفَ مزيد من التصلب الاسرائيلي في معالجة أي شكل من أشكال الرفض أو المقاومة الفلسطينية، باعتبار أن ذلك سيشكل سابقة لا يمكن السماح بها، وهكذا ابتدأ المسار المجحف، الذي ربط التنازلات الفلسطينية بالتصلب الاسرائيلي، وأصبح كلاهما متلازمان معاً، يرافقهما مزيد من التشدد والقسوة الاسرائيلية في التعامل مع أي شكل من أشكال المعارضة أو المقاومة الفلسطينية، وتولدت مع الوقت قناعة عامة، ضمن أوساط غالبية الاسرائيليين، بنجاعة هذه السياسة في التعامل مع الفلسطينيين.

إن الحديث عن أية تسويات سياسية في الوقت الحاضر يجب أن يأخذ هذا الواقع المؤلم في الاعتبار، وأن يعتبر ما هو مقبول إسرائيلياً لن يكون في مصلحة الفلسطينيين على الإطلاق، وأن الهدف من وراء المسيرة السلمية هو شطب وإلغاء القضية الفلسطينية برمتها وليس حلها، سواء في شكل عادل أم غير عادل.

إن كثرة التصريحات العربية والفلسطينية في الآونة الأخيرة، التي تطالب «بحل الدولتين» وتؤكد أهميته، بوصفه تعبيراً عن الحل المنشود للقضية الفلسطينية، هي جريمة وعار على كل من يُطالب به، إذ لا مصلحة للفلسطينيين في حل الدولتين، وتُعتبرَ المناداة به خطأً استراتيجياً فاحشاً، انطلاقاً من واقع الحال الخطرة والحرجة، التي وصلت إليها مرحلة استعمار فلسطين، وطبيعة الوضع الفلسطيني والعربي المهلهل، مقارنة بالوضع الاسرائيلي الناهض. إن المناداة «بحل الدولتين» باعتباره حلاً استراتيجياً ومطلباً وطنياً فلسطينياً وعربياً يعكس الضعف البنيوي والهزال الفكري والعقائدي، الذي وصلت إليه القيادة الفلسطينية وبعض الفلسطينيين من جهة، وتدهور وانهيار الوضع العربي عموماً من جهة أخرى، هذا في حين أن قوة اسرائيل العسكرية والاقتصادية ونفوذها السياسي الاقليمي والدولي في ازدياد، على رغم تزايد الرفض لسياساتها وقوانينها العنصرية بين أوساط الشباب والمثقفين، وحتى بعض السياسيين، في الغرب.

المطلوب الآن هو إعلان الفلسطينيين رفضهم مبدأ تقسيم فلسطين التاريخية إلى دولتين، فالدولة المخصصة للفلسطينيين، فيما لو تحققت، ستكون شبه دولة منزوعة السلاح والسيادة الفعلية، ومنزوعة الدسم في شكل عام، وعبارة عن أشلاء هنا وهناك مقدرٌ لها أن تعيش إلى الأبد في ظل الدولة الأكبر والأقوى، وهي اسرائيل. منطق الأمور إذاً يفترض ألا يطالب الفلسطينيون أو يوافقوا على تقسيم فلسطين التاريخية إلى دولتين، فذلك لو تم فإنه يعني الموافقة الضمنية الفلسطينية على أن تبقى إسرائيل قائمة إلى الأبد، وأن فلسطين - بالتالي - ستبقى مقسمة إلى الأبد، وهذا أمر يصب في مصلحة الإسرائيليين.

التغيير الذي يعصف بالعالم العربي الآن والضعف والهَرَم والجمود الذي أصاب القيادة الفلسطينية، والجموح الملحوظ في أوساط الإدارة الأميركية الجديدة تجاه توفير دعم بلا حدود لإسرائيل، هي عوامل تستدعي إعادة النظر في ما يريده الفلسطينيون، وفي ما هم مقبلون عليه، وكذلك في ما يمكن أن يفعله الفلسطينيون وفي ما يجب ألا يفعلوه.

إن سقوط القضية الفلسطينية من سُلّم الاهتمام العربي والعالمي، لا يعود إلى تنامي قناعة عامة بعدم عدالتها، بقدر ما يعود إلى تقدير متزايد من العالم لافتقارها المتزايد إلى التأثير في الاستقرار الاقليمي والدولي؛ أما على المستوى العربي فإن الأسباب تعود إلى ثقل العبء والمسؤولية التي تضعها هذه القضية على أكتاف عالمٍ عربيٍ يزداد ضعفاً يوماً بعد يوم.

من الواضح أن الفلسطينيين تحت الاحتلال أصبحوا الآن قاعدة الارتكاز الرئيسة للقضية الفلسطينية، والأساس في مقاومة الاحتلال بشتى الطرق والأساليب، ما يستدعي ضرورة إعادة توحيد الشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال بمثابة شرط أساس لاستنهاض تلك المقاومة، ويرتبط هذا الهدف بأهميته وضرورته لتعزيز القدرة على إعادة توحيد القضية الفلسطينية، من خلال إلغاء التشرذم الحاصل الآن في واقع الفلسطينيين وفي أهدافهم ووسائلهم، وضرورة إعادة القضية الفلسطينية إلى وضعها الطبيعي بوصفها قضية واحدة مركزية لا تستند فقط إلى عدالتها وإلى أولوية الحق، ولكن أيضاً إلى كونها أساس الاستقرار الاقليمي والدولي، حتى لو بقي الفلسطينيون وحدهم وتخلت عنهم بعض الأنظمة العربية.

إن مفهوم النضال يجب أن يتم تطويره فلسطينياً ليأخذ أشكالاً وأنماطاً جديدة، بهدف تجاوز قسوة واقع الحال داخل فلسطين المحتلة والعالم العربي، وهو في مُجْمَلِه في غير مصلحة الفلسطينيين وقضيتهم، إذ إن المفهوم الجديد للنضال والكفاح يجب أن يخرج عن إطاره التقليدي الذي يحصره بالكفاح المسلح، وهو على أهميته، يجب ألا يعُتبر المسار النضالي الوحيد، وكي يتناسب النضال الفلسطيني وواقع موازين القوة بين اسرائيل والفلسطينيين والعرب، يجب عليه أن يأخذ أشكالاً وأنماطاً جديدة وشاملة تصب في خانة النضال من دون أن تسعى إلى ارتكاب خطأ الانتحار في مواجهةٍ مسلحةٍ شاملةٍ يائسة نتائجها شبه محسومة. وهكذا، فإن الكر والفّر قد يكون جزأً من استراتيجية نضالية مقبولة ومُتعارف عليها تحمل تقديراً محسوباً للمخاطرة المبنية على الفروق الكبيرة في معادلات القوة مع العدو، من دون أن يعني ذلك الاستسلام لها باعتبارها أمراً واقعاً حتمياً. وانطلاقاً من هذا المفهوم فإن النهج الأمني الإسرائيلي كان يسعى دائماً وما زال إلى الرد على أية عملية فدائية مهما صَغُرَتْ بأقصى ما تملك من موارد، حتى تجعل كلفة استراتيجية الكر والفر عالية ومساوية تقريباً لكلفة المواجهة الشاملة، ولكن ذلك يجب ألا يردع الفلسطينيين عن الاستمرار في هذا النهج من النضال، ولكن بوعي أكبر، وتكتم أعظم، وضمن استراتيجية نضالية متعددة الأوجه وشاملة لمختلف نواحي الحياة.

أنماط النضال الأخرى قد لا تكون عسكرية أو شبه عسكرية، وقد تكون سياسية أو قانونية أو ثقافية أو اجتماعية.. الخ، وهذا التنوع في أنماط النضال هو الرد المناسب على حال الاستعمار الإحلالي، التي يمارسها الصهيونيون في فلسطين ضد الشعب والتاريخ والتراث الفلسطيني والأرض الفلسطينية، والأنماط الجديدة من النضال، على تنوعها، قد تعُطي في مجموعها وفي المحصلة النهائية نتائج ملموسة، إذ إنها تخترق الممنوعات والمحظورات والعُقَدْ النفسية، التي غالباً ما حكمت الموقف الفلسطيني من دون أية فائدة تذكر.

الصمود الفلسطيني على الأرض هو نضال، وهو الرد على سياسة إفراغ الأرض من أصحابها، وإحياء التراث الفلسطيني وتكريسه هو نضال، وهو الرد على أكذوبة يهودية الدولة، والإصرار على الثقافة والتعليم هو نضال، وهو الرد على المحاولات الاسرائيلية لتجهيل الشعب الفلسطيني وتحويله إلى عمال مياومة، والحفاظ على التاريخ الفلسطيني وتوثيقه هو نضال، وهو الرد على مزاعم الحركة الصهيونية عن حق اليهود التاريخي في فلسطين، كما أن هنالك مجالات أخرى للنضال، مثل عضوية الكنيسيت الإسرائيلي، التي يجب ألا يتم تجريمها فلسطينياً باعتبارها اعترافاً بالعدو، بل يجب النظر إليها باعتبارها وسيلةً للنضال ضد سياسة وقوانين الاحتلال العنصرية، وبالتالي الانتقال بها من كونها منبراً احتجاجياً، لتصبح وسيلة لخدمة أهداف ومطالب الفلسطينيين تحت جبروت الحكم الإسرائيلي، من دون أن يعني ذلك أو يؤدي إلى ذوبان الفلسطينيين في المجتمع الاسرائيلي وفقدانهم شخصيتهم الفلسطينية وتحولهم إلى إسرائيليين، فالمواطنة المتكافئة ليست بديلاً عن التحرير، ولكنها محطة على الطريق، تهدف إلى التمكين التدريجي للفلسطينيين.

إن التوجه نحو فك الارتباط الواقعي بين بعض الأنظمة العربية والقضية الفلسطينية، واتجاه تلك الأنظمة لإعطاء الأولوية الاستراتيجية لعلاقاتها مع اسرائيل جعل من الحتمي على الفلسطينيين البحث عن أُطُرْ جديدة لجذب مزيد من الدعم الاستراتيجي لهم في سعيهم إلى استعادة حقوقهم في فلسطين، وإنقاذ القضية الفلسطينية من تنامي علاقة التعاون الاستراتيجي بين معظم الأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى.

أصبح الآن من مسؤولية الشعب الفلسطيني، بعد أن تبرعت القيادة الفلسطينية بالتنازل التاريخي عن معظم فلسطين لمصلحة إسرائيل، في اتفاقات أوسلو، وهو أمرٌ كان دائماً خارج نطاق تفويض وصلاحيات أية قيادة فلسطينية مهما كانت، وسعي الشعب الفلسطيني إلى تغيير هذا الواقع المرير عربياً وفلسطينياً، قد يكون ممكناً، إما من خلال خفض سقف توقعاتهم، وإما من خلال البحث عن وسائل جديدة لتحقيق أهدافهم وبوسائل تُعْتَبر مقبولة من الآخرين وفي شكل يسمح باستقطاب مزيد من الدعم للقضية الفلسطينية. إن حل الدولة الواحدة في فلسطين بوصفه بديلاً لحل الدولتين، قد يكون الأكثر انسجاماً مع المصالح الفلسطينية في الفترة الحالية وضمن المعطيات السائدة ومعادلة القوة بين العرب والفلسطينيين من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وإن إبراز الوجه العنصري للاحتلال قد يكون هو الوسيلة الأهم للوصول إلى ذلك الهدف، وقد يكون في المطالبة بحقوق المواطنة الناجزة والمساواة الكاملة في الحقوق السياسية للفلسطينيين تحت الاحتلال، من خلال حل الدولة الواحدة، مدخلاً لتحقيق ذلك، وحل الدولة الواحدة يهدف إلى تحويل حالة الاحتلال في نظر العالم إلى حالة متفاقمة من التمييز العنصري ضد الفلسطينيين، والتي لا يستطيع أحد في العالم القبول بها، بما في ذلك أميركا.

 

 

??* مفكر وسياسي.


الأكثر قراءة في مجتمع
المزيد من مجتمع