حين يكون الحصول على فترة رئاسة رابعة مضموناً، والانتخابات التي ستُجرى الأحد القادم محسومة سلفاً، ربما يبدو التفكير المبكر جداً في الفترة الخامسة منسجماً مع شخصية الرئيس فلاديمير بوتين، وطريقته في هندسة نظام الحكم، وسعيه إلى ربط مصير...

هل يستعد بوتين لولاية خامسة قبل بدء الرابعة؟

وحيد_عبد_المجيد |

حين يكون الحصول على فترة رئاسة رابعة مضموناً، والانتخابات التي ستُجرى الأحد القادم محسومة سلفاً، ربما يبدو التفكير المبكر جداً في الفترة الخامسة منسجماً مع شخصية الرئيس فلاديمير بوتين، وطريقته في هندسة نظام الحكم، وسعيه إلى ربط مصير روسيا بشخصه. غلاف مجلة «ذي أتلانتيك» في عدد شباط (فبراير) الماضي يوحي بأنه ما زال ينظر بعيداً. يحمل الغلاف «بورتريه» نصف وجه لبوتين، مُصمماً بطريقة تبدو فيها عينه مُحدّقة بحدة نحو هدف بعيد وكأنه يستعد للانقضاض على شيء ما.

أمضى بوتين 14 عاماً في الرئاسة عبر ثلاث فترات (2000-2004، و2004-2008، 2012-2018). فصلت رئاسة ديمتري ميدفيديف الشكلية بين الفترتين الثانية والثالثة. أدى الرئيس الذي حل محل بوتين بين 2008 و2012 دور «المُحلّل» عندما أكمل فترة رئاسته الثانية. اختار التحايل على الدستور، الذي ينص على فترتين رئاسيتين كحد أقصى، بدل تعديله. وأكمل ميدفيديف «فضله» عندما قدم مشروع قانون لزيادة فترة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، بدءاً من انتخابات 2012.

وهكذا بات ممكناً أن يتجاوز بوتين في نهاية فترته الرابعة المدة التي أمضاها ليونيد بريجينيف في الحكم، وهي 18 سنة (1964-1982)، ولكنه يبقى بعيداً من الرقم القياسي الذي حققه جوزيف ستالين، وهو 31 سنة (1922-1953). جديد بوتين هذه المرة أنه ترشح مستقلاً، وليس عن حزبه «روسيا الموحدة»، الأمر الذي قد يشي بتهميش دور ميدفيديف بصفته رئيس هذا الحزب.

غير أن ربط تهميش ميدفيديف في بعض التكهنات برغبة بوتين في أن يكون هناك «مُحلّل» جديد يتولى الرئاسة شكلياً عقب انتهاء الفترة الرابعة في 2024 قد لا يكون منطقياً. فقد أصبحت فترة الرئاسة ست سنوات. وإذا لم يُعدل الدستور، سيكون على بوتين أن ينتظر، بعد انتهاء فترته الرابعة، حتى 2030 لكي يحصل على ولاية خامسة في سن الثامنة والسبعين. ولذا ربما يكون احتمال تعديل الدستور لإطلاق فترات الرئاسة مطروحاً خلال فترة الرئاسة الرابعة، بحيث يتمكن بوتين من الترشح للخامسة في 2024.

وعندما تنتهي فترة الرئاسة الرابعة، سيكون بوتين قد أمضى 20 سنة رئيساً لروسيا، إلى جانب أربع أخرى ظل فيها الرجل الأول فعلياً، وأدار البلاد من موقعه رئيساً للحكومة. وهو لا يزال يعمل من أجل ترسيخ صورة الزعيم الأوحد، ولكنه لم يستطع تحقيق إجماع حوله على رغم أن الأجواء التي خلقها تمنع وجود منافسة.

وفي ظل هذه الأجواء، لم يتمكن المعارض الأبرز الآن أليكسي نافالتي من الترشح بعد حكم أُصدر في حقه في شباط (فبراير) 2017 بالسجن لمدة خمس سنوات، مع وقف التنفيذ لاتهامه في قضية اختلاس أموال. ولا يُشكّل أنصاره تهديداً يُعتد به لبوتين على رغم انتشارهم في كثير من أنحاء البلاد، كما تبين في تظاهرات نظموها في نحو 80 مدينة يوم عيد ميلاد بوتين الخامس والستين (7 تشرين الأول- أكتوبر).

وليس بين من يخوضون هذه الانتخابات من يُنظر إليه بصفته منافساً لبوتين، بل لا تنظر الصحافية كسينيا سوبتشاك إلى نفسها على هذا النحو. تقول إن هدفها ليس الفوز في الانتخابات، بل التمهيد لتأسيس حزب سياسي. مرشح الحزب الشيوعي بافل غرودين يبدو شيوعياً على الطريقة الصينية الراهنة لكونه «رأسمالياً» مرشحاً عن حزب «بروليتاري». أما فلاديمير جيرينوفسكي، رئيس الحزب الديموقراطي الليبرالي فهو محافظ متطرف، ومعاد من ثم لليبرالية!

التحدي الأساسي أمام بوتين ليس الفوز الذي يضمنه، بل توجه أكبر عدد يمكن حشده إلى صناديق الاقتراع، خصوصاً بعد أن دعا نافالتي إلى مقاطعة الانتخابات. خطر المشاركة الضعيفة هو أكثر ما يُقلق بوتين، لأن الانتخابات المحسومة سلفاً لا تُغري بمشاركة فيها. وهذا يفسر حظر نشر استطلاعات مركز «ليفادا» المستقل بعد أن أفاد استطلاع أجراه في نهاية العام الماضي بأن 58 في المئة سيدلون بأصواتهم. وبات إجراء الاستطلاعات مقصوراً على مراكز حكومية.

لا يواجه بوتين تحدياً آخر. الفوز مؤكد، ومن الجولة الأولى. لن تكون هناك جولة ثانية قد يُنظر إلى منافسه فيها بصفته خلفاً محتملاً له، وهو الذي يصعب تصور أنه لا يفكر في فترة الرئاسة الخامسة من الآن.

ولذا يبدو بوتين مهتماً بترسيخ زعامته الأحادية أكثر من أي شيء آخر. لا تشغله تفاصيل الانتخابات، بل إكمال ملامح صورة الزعيم الذي يستعيد دور روسيا العالمي و «عظمتها». يريد بناء مجده على إنجازات خارجية لأن تراجع الاقتصاد الروسي لا يُمكّنه من الاعتماد على نجاح داخلي. لم يحدث تحسن ملموس بعد على رغم الارتفاع النسبي في أسعار النفط، الذي لا يزال المورد الأول لروسيا. يحاول الحد من الآثار الاجتماعية المؤلمة لهذا التراجع عبر قرار رفع الحد الأدنى للأجور ليصبح معادلاً لقيمة 163 يورو (بدل 139) اعتباراً من أول الشهر المقبل.

ولكن رهان بوتين يبقى على صورة الزعيم الذي يستعيد لروسيا مجدها، ويعمل لرفع ما يسميه الظلم التاريخي الذي وقع عليها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، ولتغيير معادلات النظام العالمي، وتقويض «الأحادية القطبية».

يُركز على نجاحه في تأمين جوار روسيا بعد سيطرتها على شبه جزيرة القرم (يصادف يوم الاقتراع الأحد المقبل الذكرى الرابعة لضم القرم إلى روسيا)، بدعوى تأمين عمقها الاستراتيجي. كما يراهن على نجاحه الشخصي في توسيع نفوذ روسيا في الشرق الأوسط ليصبح أقوى مما كان في العهد السوفياتي.

لا يعنيه تقدم روسيا وتحديثها، بل قوتها. القوة عنده عسكرية بالأساس. القوة تعني السلاح، وليس العلم والمعرفة والاقتصاد والثقافة، وتُقاس بالحضور في الخارج، وليس بالإنجاز في الداخل. وفي هذا السياق جرى قبل أسابيع تسويق زيارته ثلاثة بلدان شرق أوسطية (سورية أو قاعدة حميميم، وتركيا، ومصر) في يوم واحد (11 كانون أول- ديسمبر) باعتباره تجسيداً لقدرة سياسية، وقوة جسدية، مبهرتين وغير عاديتين، إذ تنطوي صناعة صورته على مزيج من العوامل الموضوعية والشخصية. وكانت تلك الزيارة بعد أربعة أيام فقط على إعلان ترشحه رسمياً في 6 كانون الأول خلال جولة في مصنع سيارات أقيــــم في العصر السوفياتي، إذ قال: «لا يوجد مكان ومناسبة أفضل من هذه وذاك لإعلان ترشحي»، وســــط تصــــفيق وهتاف يُطربان الحكام الذين يختزلون بلادهم في شخوصهم.


الأكثر قراءة في
المزيد من