لابدّ أن تكون موجات الهزة السياسية في إيطاليا إثر فوز الأحزاب «الشعبوية» في الانتخابات الأخيرة، قد عبرت عواصم أوروبا كلها حتى وصلت مقر الاتحاد الأوروبي نفسه في بروكسل. أهمية الحدث لا تقتصر على الإقليم الأوروبي فحسب، بل تمتد إلى جواره...

صعود شعبوي نحو السلطة في إيطاليا يهدد ديموقراطية أوروبا

مصطفى_كركوتي |

لابدّ أن تكون موجات الهزة السياسية في إيطاليا إثر فوز الأحزاب «الشعبوية» في الانتخابات الأخيرة، قد عبرت عواصم أوروبا كلها حتى وصلت مقر الاتحاد الأوروبي نفسه في بروكسل. أهمية الحدث لا تقتصر على الإقليم الأوروبي فحسب، بل تمتد إلى جواره المباشر كما تتناغم مع حالات مماثلة في آسيا وأميركا.

هذا التحول في مزاج الناخب الأوروبي تعبير واضح عن تمرد شعبي واسع ضد المؤسسة الحاكمة بأحزابها التقليدية التي ما فتئت تتناوب على السلطة- من خلال صناديق الاقتراع- منذ منتصف القرن الفائت، ما يجعل السؤال مطروحاً بقوة حول: ما الذي يجمع بين دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان وجيريمي كوربن ورودريغو دوتيرتي وإيمانويل ماكرون... والآن مع الفائزَين الرئيسيَّين في انتخابات إيطاليا الأخيرة، ماتيو سالفيني ولويجي دي مايو؟

طبعا يمكن إضافة أسماء أخرى إلى اللائحة أبرزهم الروسي فلاديمير بوتين والصيني كشي جينبنغ، ولكن رغم الاختلافات الكبيرة بين التوجهات السياسية لهؤلاء، فإن ما يجمع بينهم الادعاء بأنهم يتحدثون باسم الشعب.

وكما يقال «الكتابة باتت واضحة على الجدران»، بدأ التعبير عن هذا التحول ضد المؤسسة التقليدية في أوروبا بقوة في انتخابات الرئاسة الفرنسية بفوز ماكرون بنسبة 66.1 في المئة. واللافت أن مزاج الناخب رفض في الوقت نفسه اليمين العنصري ممثلاً بمارين لوبين و «حزب الحرية» في كل من النمسا وهولندا.

في كل الأحوال، «شعبوية» الأحزاب في ديموقراطيات الغرب تختلف من بلد إلى آخر، ولكن ما يجمع بين أقصى اليمين (مارين لوبين) في فرنسا ومثيليها الإيطاليين (ماتيو سالفيني ولويجي دي مايو) واليسار في اليونان ممثلاً بائتلاف «سيريزا»، الموقف ضد المؤسسة الحاكمة. كما تلتقي هذه الأحزاب جميعاً في تحقيق تقدم ملحوظ في الانتخابات، ولكن من دون حصولها على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومات. وفيما تتعزز مواقع هذه الأحزاب في نسيج المجتمعات الأوروبية، فهي تحقق ذلك على حساب الأحزاب التقليدية.

في انتخابات إيطاليا الأخيرة، بدا الحماس واضحاً أثناء الحملة الانتخابية لليمين الممثّل بـ «العصبة» (عصبة الشمال سابقاً) وحركة «النجوم الخمس». الأولى يمينية التوجه وبخط عنصري واضح حصلت معه على نسبة 37 في المائة، والثانية تمثل يمين الوسط وحصلت على 32.7 في المئة من أصوات الناخبين الذين بلغت نسبتهم أكثر من 78 في المائة، وهي الأعلى في أي انتخابات برلمانية في إيطاليا. حركة «النجوم الخمس»، سميت كذلك نسبة لمطالبها الخمسة التي اعتمدتها منذ تأسيسها في 2009، وهي توفير المياه وتأمين المواصلات وتحقيق تنمية مستدامة والإنترنت للجميع والمحافظة على البيئة. تعارض هذه الحركة تدخل الغرب في حروب الشرق الأوسط وجواره وتدخل الولايات المتحدة تحديداً في سورية، وتتحالف مع أحزاب ما بات يعرف في أوروبا بـ «تجمع الحرية والديموقراطية المباشرة»، الذي يضم «حزب الاستقلال» البريطاني المعروف بعدائه للاتحاد الأوروبي.

ماتيو سالفيني زعيم حزب «العصبة» العنصري والمعادي للمهاجرين يتباهى بشعبويته ما دام ذلك يعني أنه يتحدث «باسم الشعب». لويجي دي مايو المرشح اليوم لتشكيل حكومة إيطاليا المقبلة يعلن عن قيام «جمهورية الشعب في إيطاليا جديدة». الإيطاليون عموماً يشعرون بغضب شديد ضد بعض أجزاء أوروبا الغنية، لا سيما فرنسا والنمسا، لإغلاق بواباتها أمام أفواج المهاجرين إلى أوروبا الذين ينتهون بالتجمع في الأراضي الإيطالية. وفي أعقاب الضائقة الاقتصادية في أوروبا منذ 2008، يشعر الإيطاليون أيضا بخيانة منطقة اليورو لهم جراء تردد دولها في مساعدتهم في معالجة ما يفترض أنها مشاكل أوروبية مشتركة.

الملاحظ أن أول رد فعل أوروبي على فوز اليمين ويمين الوسط في إيطاليا جاء من مارين لوبين التي غرّدت في حسابها موجهة «التهاني إلى الشعب الإيطالي»، ولكنها لم تأت على ذكر الانسحاب من الاتحاد الأوروبي كما فعلت أثناء حملة انتخابات الرئاسة في فرنسا بالدعوة إلى «فريكزيت» على نسق استفتاء «بريكزيت» البريطاني. وكانت لوبين تردد أن دول الاتحاد الأوروبي ستسقط الواحدة تلو الأخرى من الوحدة الأوروبية في إثر «بريكزيت».

شعبويو إيطاليا تعلموا الدرس مثل شعبوي النمسا في الانتخابات الأخيرة، بتخليهم عن التعهد بالانسحاب من منطقة اليورو. رسالة الإيطاليين واضحة في انتخاباتهم الأخيرة: نريد إصلاح أوروبا وليس تدميرها، وهذا مطلب طالما ردده الإيطاليون وعدد آخر من الأوروبيين سابقاً، ولكن بيروقراطيي بروكسل تجاهلوا ذلك على مدى عقدين على الأقل. الهوة باتت بيّنة منذ زمن بين إدارة الاتحاد الأوروبي في بروكسل وشعوب دوله، وهي الهوة التي توفر البيئة الحاضنة لنشأة وتعزيز موقع الحركات الشعبوية المتنوعة والمتقدمة في أوروبا على حساب مواقع الأحزاب السياسية التقليدية للديموقراطية الليبرالية.

نجاح أنغيلا ميركل بالتوصل إلى ائتلاف حكومي مع الحزب الاشتراكي الألماني حال دون وقوع ألمانيا والألمان في شباك الحركة الشعبوية الصاعدة والمتآلفة مع يمين البلاد. لكن هذا الائتلاف، على أهميته القصوى وأهمية ريادة ألمانيا بين دول الاتحاد الأوروبي، لن يكون قادراً على توفير قواعد صمود ديموقراطية أوروبا أمام التصاعد الزاحف لحركات اليمين الشعبوي.

ما لم تقم أحزاب الديموقراطية الليبرالية بمراجعة جذرية وشاملة لعلاقات طواقمها الحزبية مع أطياف الشعب المختلفة ومخاطبة همومهم وأولوياتهم، فإنها تسير بعيون مفتوحة نحو نهاياتها بشتى الطرق المختلفة، إن لم يكن على يد اليمين العنصري المتطرف أو حركات الشعبوية الصاعدة، سيكون ذلك من خلال انشقاقاتها وخلافاتها الداخلية.

هذه المراجعة قد تكون مصيرية بالنسبة لأحزاب الديموقراطية إن لم تنتبه لضرورتها الملحة، لا سيما في ضوء نتائج انتخابات إيطاليا التي أوصلت حركة «النجوم الخمس» الشعبوية وحزب «العصبة» المعادي للهجرة وللعمل الأوروبي الموحد إلى مراكز صنع القرار في روما، وما يحمل مثل هذا التطور من نتائج على العمل الأوروبي المشترك. فالشعبوية في صعود متواصل في الغرب، وخاصة بين صفوف يمين أوروبا، وفي الولايات المتحدة نجحت بامتياز في تتويج دونالد ترامب في البيت الأبيض.


الأكثر قراءة في
المزيد من