على رغم تعددية الجدل الفكري والسياسي الفلسطيني نلحظ أنه يقع عموماً في حيز اليومي والجزئي ولا يطاول الاستراتيجي العابر للراهن أو الموقت، وهو لهذا السبب ولأسباب أخرى يظل جدلاً عابراً لا يستقطب مشاركة جماعية قادرة على خلق تفاعل جدي يمكن أن...

الحاجة إلى إدوارد سعيد

راسم_المدهون |

على رغم تعددية الجدل الفكري والسياسي الفلسطيني نلحظ أنه يقع عموماً في حيز اليومي والجزئي ولا يطاول الاستراتيجي العابر للراهن أو الموقت، وهو لهذا السبب ولأسباب أخرى يظل جدلاً عابراً لا يستقطب مشاركة جماعية قادرة على خلق تفاعل جدي يمكن أن ينتج رؤى تؤسس لبرامج عمل ترى الراهن والمستقبل بحدقة عميقة، تدل عليه حال غياب الفكر على رغم من كثرة من يكتبون ومن يتناولون بكتاباتهم الحال السياسية الفلسطينية.

أحد أبرز أسباب غياب الرؤية الفكرية العميقة وأهمها، أنها لا تصدر عن عقل نقدي جذري يتمكن من رؤية الواقع الصعب والمعقد في في خطوطه وتشابكاته، وتلك حال أراها لم تتحقق لنا في صورة حقيقية سوى مع الراحل إدوارد سعيد، وغابت معه لتظل الساحة الفكرية والسياسية تراوح في مساحة ضيقة ليس فيها سوى المطالعات الجزئية والقراءات الصحافية وأيضاً المتابعات الحزبية بما تحمله عادة من رغبوية.

أشار إدوارد سعيد مرة إلى حاجة الساحة الفلسطينية إلى قامة ثقافية مرموقة تحظى بإجماع يمنح رؤيتها مشروعية الحضور والقدرة على تحريك الحياة السياسة، وهو رأى يومها أن تلك الصفة تنطبق على الشاعر الراحل محمود درويش فيما هي تنطبق تماماً عليه هو بالذات بما امتلكه من قدرات فكرية تقع في القلب منها ملكة نقدية بارعة في غوصها العميق في ما هو عميق ومستقبلي من شؤون فلسطين وقضيتها موقع ادوارد سعيد خارج المؤسسة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها وأحزابها جعل حضوره الفكري يقف دوماً خارج التباسات لا تحصى، بل خارج عبثية الخلافات والصراعات اليومية، وهو موقع نأى به وبدوره عن الهامشي والعابر من قضايا بدت للكثيرين في هذه المرحلة أو تلك هامة ومصيرية، بل شغلت قطاعات من المثقفين في ما هو جزئي تطويه دوما التغيرات العاصفة والمتلاحقة في فلسطين والمنطقة.

هكذا رأى سعيد فلسطين قضية إنسانية كبرى تخالف مساراتها ومآلها تعاظم التطورات الانسانية الكبرى التي تذهب نحو تكريس حريات الشعوب وحقوق الإنسان ونبذ الحروب انتصاراً لسلام دائم وعادل في العالم كله، وهو في جهده النقدي رأى بحدقة صائبة وعميقة فساد رؤية الغرب والصورة المشوَهة التي اخترعها للآخرين. وهو جهد نقدي حقق حضوراً استثنائياً من خلال كتابه المهم «الاستشراق» الذي فارق القراءات العربية السابقة الهجائية ونجح في سبر الاستشراق بوعي مختلف.

في قلب هذا النشاط النقدي العميق أمكن في صورة حيوية رؤية النقد بوصفه «غربلة» جدية لحركة المجتمع وليس قراءة لهذا الأثر الإبداعي أو ذاك، ولعل هذه المسألة بالذات هي التي منحت ادوارد سعيد مكانته الخاصة والمميزة في الحالة الفلسطينية الفكرية والسياسية والتي تجعل غيابه فادحاً إلى حد كبير، تفتقد حال الجدل الفكري الفلسطيني لشخصية نقدية تعلو قامتها على القيادات الفلسطينية كلها، وتقف في الوقت ذاته خارج الأطر الموسساتية ما يمكنها من إثارة حراك نقدي يتجاوز العثرات السياسية بما هي أخاء صغيرة وعابرة وينجح في رؤيتها في سياق غياب الرؤية ومحدودية الفكر ليست تجربة إدوارد سعيد ضرباً من التجريد، بمقدار ما هي قراءة تفاعلية مع وقائع الحياة وقوانين الحضارة الإنسانية، وفق ما وصلت اليه وفرضته العولمة على الجميع ظالمين ومظلومين، ففي قلب الغرب وثورته التكنولوجية وسطوته الصناعية الكبرى نجح المفكر القادم من فلسطين في تحقيق حضور بليغ واستثنائي، لأنه أدرك بعمق أن المعارك الكبرى والحروب الساخنة تمتد جذورها إلى الفكر بما هو عقل له قوته مثلما له ضعفه.

 

 

* كاتب فلسطيني