من ملاحقة البدون أوراق (من غير إقامة شرعية)، إلى ازدحام مراكز الاعتقال، «الحالمون»، وهم 690 ألف مهاجر غير شرعي بلغوا أميركا وهم أطفال، مهددون بالطرد من الولايات المتحدة. فالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يرغب في العودة عن 50 عاماً من...

دفع «الحلم الأميركي» إلى الأفول ...بإغلاق باب الهجرة الواسع

فيليب_بوليه_–_جركور |

من ملاحقة البدون أوراق (من غير إقامة شرعية)، إلى ازدحام مراكز الاعتقال، «الحالمون»، وهم 690 ألف مهاجر غير شرعي بلغوا أميركا وهم أطفال، مهددون بالطرد من الولايات المتحدة. فالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يرغب في العودة عن 50 عاماً من التعدد الثقافي ونموذجه، وهو يرفع لواء «عصبية بلد المنشأ» (حركة ترفض موجات الهجرة الجديدة في بلد مؤتلف من مهاجرين مثل الولايات المتحدة وكندا ونيوزيليندا). ويلتزم ترامب معايير هجرة «نخبوية» تقصي المعدمين والملونين ولو كانوا أميركيي الهوى والولاء و «الأحلام». وقصة ثلاثة مهاجرين في الأسطر التالية تدحض النموذج الذي يدعو إليه ترامب:

يتحدر كويكو من «بلد قذر» على قول ترامب. وهو لا يرغب في استقبال اللاجئين منه بعد اليوم. وكان كويكو ترك غانا، واجتاز الصحراء الكبرى، ووصل إلى أليكانتي في إسبانيا وجزى بعض الوقت في أوروبا قبل أن يحمل الرحال إلى أميركا. «وصلت إلى أميركا ولا شيء في جعبتي»، يقول كيوتو القادم من اليابان، وليس من «بلد قذر». ولكنه كذلك هاجر إلى الولايات المتحدة وهو لم يحصّل مهارات عالية أو شهادات عالية- وهذا عيب أو شائبة غير مقبولة في ميزان ترامب. وعمل مع زوجته إيكوكو في مطعم سوشي أنشأه في كاليفورنيا. وجونغ جين، وصل إلى أميركا من كوريا الجنوبية حين كان في السادسة والعشرين وهو لا يحمل أي شهادات، وكان في جيبه 800 دولار فحسب ومعجم انكليزي– كوري. فهو بعيد الشبه من المهاجر النموذجي الذي يحلم فيه الرئيس ترامب...

ولا يخفى أن كويكو وكيوتو وجونغ جين لن يُرَّحلوا، اليوم، عن الولايات المتحدة. فهم استقروا فيها منذ الثمانينات، وإقاماتهم نظامية. غير أنهم مدار الكلام في أميركا اليوم: فالأول هو والد مام بيني، أول سوداء في الفريق الأميركي الأولمبي للتزلج السريع. وكيوتو هو والد ميراي ناغاشو، الفائزة بالميدالية البرونزية في بيونغتشانغ، وأول متزحلقة تؤدي قفزة ثلاثية في الألعاب الأولمبية. وهي واحدة من سبعة رياضيين أميركيين من أصول أسيوية في المنتخب الأميركي إلى تمثيل البلاد في التزحلق على الجليد- وعديده 14 رياضياً. أما جونغ جين فابنته كلويه، وهي في السابعة عشرة من عمرها، فتوجت بطلة الألعاب الأولمبية للتزلج. «حلمي أميركي»، و «فقط في أميركا (تحقيق الحلم ممكن)»، وهذا لسان حال كل من جونغ جين وكويكو حين يتكلمان عن إنجازات ابنتيهما. والحلم الأميركي هذا لم يولد من رحم سياسة هجرة تنتخب المتحدرين من دول «الشمال» والأعلى تعليماً الناطقين بالإنكليزية، على نحو ما يشاء ترامب، بل هو ثمرة الكد والرغبة في النجاح.

ودار النقاش، في الأسابيع الأخيرة، على «الحالمين»، ومنحهم باراك أوباما حماية قانونية في 2012. ولكن ترامب أخذهم رهائن في الخريف الماضي حين ألغى برنامج الحماية هذا، ودعا الكونغرس إلى حل تشريعي في مطلع الشهر الجاري يحتسب طلباته: جدار على الحدود المكسيكية، وشبه إغلاق لأبواب الهجرة، وطي برنامج الفوز بـ «البطاقة الخضراء» (إقامة دائمة) في القرعة. وبدأت سياسة «صيد المهاجرين» (مطاردتهم وطردهم) منذ بدء رئاسة ترامب. ورمت رسمياً إلى توقيف المجرمين وطردهم وإبعادهم. ولكن هذا الزعم سرعان ما تتداعى: فالاعتقال لم يميز بين مجرم وبين رجل سجله العدلي خال من أي جرم. وحين تعتقل شرطة المهاجرين مثل هؤلاء الأبرياء، وبعضهم ولد أطفاله في أميركا وهم أميركيون، ترفض إطلاق سراحهم المشروط وتتذرع بأنهم سيتلاشون في الطبيعة (يتبدد أثرهم ويُفقد) ويكسرون طوق السوار الإلكتروني ويهربون. ومنذ 2017، ارتفع عدد اعتقالات شرطة المهاجرين 42 في المئة، وطال 110 ألف شخص، وعدد المهاجرين من غير سجل إجرامي تضاعف أكثر من مرتين. وصار النظام كله القضائي والأمني أكثر تشدداً مع المهاجرين. ففي إتلانتا، حيث يتعاون رجال الشرطة المحليون وشرطة المهاجرين تعاوناً نشطاً، يرفض القضاة طلبات اللجوء في أكثر من 90 في المئة من الحالات. فـ «القضاة صاروا أكثر تشدداً، وحتى أولئك الذين كان المرء يتمنى أن يحال أمامهم من قضاة ذاع صيت ميلهم إلى اليسار. والسجون مزدحمة والوضع رهيب. وتضطر الشرطة إلى نقل المعتقلين إلى خارج الولاية حين تفتقر إلى عدد كاف من الأسرّة»، يقول جوني سينوديس». ولا يقيم القضاة وأجهزة الشرطة وزناً لظروف المعتقل: مدة مكوثه في البلاد، وإعالته زوجة وأطفال، أو الاعتناء بطفل مريض. وفي فينيكس، حال تسليط الضوء الإعلامي دون ترحيل جيزس بيرونس إلى المكسيك، البلد الذي غادره يوم كان طفلاً في السنة الأولى من عمره. وجيزس متزوج، ويعيل أسرة كبيرة: زوجة حامل وأولاده الخمسة، وأحدهم مصاب بالسرطان.

ولا تقتصر مساعي ترامب على إقصاء 11 مليون شخص إقامتهم غير شرعية في البلاد. فسياسته منعطف بارز في مقاربة الولايات المتحدة مسألة المهاجرين في العقود الخمسة الماضية، تقول مارغريت بيترز، صاحبة كتاب عن أثر العولمة في الهجرة. فترامب يرمي إلى تقليص الهجرة الشرعية وإرساء نظام «ركنه الجدارة ويعتمد على أشخاص قادرين على مساعدة المجتمع كله». وتقتضي سياسة ترامب بالتخلص من المهاجرين «القذرين أو السيئين»، وتشديد شروط الحصول على تأشيرة دخول، وتقليص عدد اللاجئين، وإنهاء نظام حماية الأجانب الذين فرّوا من الكوارث الطبيعية. والعودة عن نظام الحماية هذه تشمل المهاجرين من السلفادور، وعددهم 263 ألف مهاجر، وأولئك المهاجرين من هندوراس، وعددهم حوالى 86 ألف شخص. وتتوسل الإدارة الأميركية بتكتيكات لثني المهاجرين عن القدوم إلى أميركا، منها جعل حياة المهاجرين من الآباء والأمهات متعذرة من طريق فصل الأطفال عن أهاليهم، على سبيل المثل، وحرمان الأهالي من برامج المساعدات العامة لدعم إرسال الأولاد إلى الحضانة والمدارس، والحسومات على فواتير التدفئة، والضمان الصحي الاجتماعي، ورفض منحهم الإقامة الدائمة. والحرمان هذا يسري ولو كان أولاد أمثال هؤلاء الأهل «البدون» إقامة قانونية، أميركيين.

والذريعة وراء تغيير قوانين الهجرة الشرعية ليست اقتصادية في وقت معدلات البطالة في أدنى مستوياتها في أميركا، بل ذريعة إيديولوجية. ورفع لواء هذه الأيديولوجيا جيف سيشنس، وزير العدل، منذ 2015، يوم كان شيخاً (سيناتور)، وأشاد حينها بقانون 1924 الذي شدد القيود على استقبال المهاجرين، وميز بين الأعراق «المرغوب فيها» وتلك «المكروهة». وكان وراء القانون هذا حركة الكو كلوكس كلان، وتنسب إلى قادتها وصف العرق «الشمالي» الأثير على قلب ترامب. وأحد مستشاريه شرح منطق السياسة المناهضة للمهاجرين في 2016 قائلاً: «استيراد الأجانب من دول العالم الثالث لا تراث لهم أو إلفة بالتجربة الليبرالية، يؤدي إلى غلبة اليسارين اكثر فأكثر على الناخبين، وميلهم أكثر إلى الديموقراطيين ولفظهم الجهموريين، وتخففهم من الإرث الأميركي في كل دورة انتخابية».

وطعن ترامب في حملته الانتخابية في التعديل الدستوري الرابع عشر- ويقضي بمنح المولودين في الولايات المتحدة الجنسية الأميركية).

 

 

* مراسل، عن «لوبس» الفرنسية، 22/2/2018، إعداد منال نحاس


الأكثر قراءة في معلوماتية واتصالات
المزيد من معلوماتية واتصالات